سالي آن في سوريا: العجز عن فهم الآخر والحاجة لانقسام أفقي

سالي وآن وصندوق وسلة. هؤلاء هم أبطال الاختبار الشهير الذي يقوم على رواية قصة بسيطة جدّاً: سالي وآن في غرفة مع صندوق وسلة وكرة (أو كعكة)، الكرة موجودة في السلة، تغادر سالي الغرفة، وأثناء غيابها تقوم آن بنقل الكرة من السلة إلى الصندوق، ومن ثم تعود سالي إلى الغرفة. هنا يُسأل الشخص الخاضع للاختبار: أين ستبحث سالي عن الكرة؟

الإجابة على هذا السؤال تحدّد ما إن كان الشخص يدرك أن البشر – أو الكائنات بشكل عام – لديها وعي منفصل عن بعضها البعض، وبالتالي القدرة على إدراك أن البشر قد تكون لديهم معتقدات – أو معارف – خاطئة أو متباينة، وفي هذه الحالة ستكون الإجابة في السلة، أما في حال غياب هذه المقدرة ستكون الإجابة في الصندوق.

هذه القدرة الإدراكية هي مصدر الأسئلة، فالأطفال قبل امتلاكهم لهذه القدرة لا يطرحون الأسئلة، ويبدؤون بذلك فقط حين يدركون الحدود الفاصلة بين وعيهم ووعي غيرهم من المحيطين بهم، وبتبسيط مخل فإن البشر هم الجنس الوحيد على وجه الأرض الذي يمتلك القدرة على السؤال؛ مع تفلسف عابث يمكن القول: الإنسان حيوان سائل.

بعيداً عن التفاصيل العلمية، يمكن القول أن البشر مع التقدّم في السن واكتساب خبرات اجتماعية متقدّمة، يصبحون قادرين على فهم امتدادات هذا التمايز على أنه ليس في المعلومات فقط، بل في الأساس الذي يبني عليه الآخرون معتقداتهم وأفكارهم ومواقفهم وأفعالهم.

الملثمون خلف الجدار

يبدو اليوم أن الانقسام الذي يطبع علاقة مختلف شرائح المجتمع السوري نابعٌ في أساسه عن العجز عن إدراك التمايز في وعي مختلف شرائح المجتمع السوري المعاصر، عجز عن فهم تجربة الآخرين وعن إدراك الاختلافات الجوهرية في العوامل والأحداث التي شكلت وعيهم، خصوصاً خلال سنوات الثورة والحرب بداية من عام 2011 وليس انتهاءً بسقوط النظام.

منذ التحوّل الذي أصاب الثورة السورية وانتقال مركز ثقلها من الحراك الاحتجاجي السلميّ إلى التمرد المسلح ذي الطابع الجهادي السلفي، انقسمت البلد جغرافياً إلى نطاقين متمايزين: مناطق المعارضة ومناطق النظام، ورغم التنويعات التي اتسمت بها مختلف أجزاء هذين النطاقين، يمكن القول بوجود سمات مميزة لكل منهما.

بالنسبة لمناطق المعارضة فالسمة المميّزة كانت بالطبع الحملات العسكرية الوحشية التي شنّها النظام وحلفائه عليها، بما فيها من استخدام مفرط للقوّة ضد مناطق مدنية، سواءً بقصد إضعاف المعارضة المسلحة بدون اكتراث بالخسائر المدنية، أو بقصد إنزال عقابٍ جماعي بالمجتمعات المحلية التي خرجت ضده حتى قبل عسكرة الثورة.

إضافة إلى ذلك كان الحصار الاقتصادي طابعاً مميزاً للحياة في هذه المناطق، وإن كانت قسوة ودرجة الحصار تختلف باختلاف موقع المنطقة ومدى مساحة مناطق المعارضة التي تتصل بها، فحصار محافظتين ليس بسهولة حصار بلدة معزولة مثلاً، وحصار منطقة متصلة بحدود خارجية مع دول مجاورة ليس بسهولة حصار منطقة محاطة بمناطق سيطرة النظام من كل الجهات.

على الجانب الآخر، كانت السمة المميزة لمناطق سيطرة النظام ببساطة الخوف، ورغم أن الاستهداف العسكري لهذه المناطق – بمعظمها – لم يكن مماثلاً لاستهداف الضفة المقابلة لناحية الشدّة، فإنه لم يكن مغايراً لناحية النوعية، إذ كانت فصائل المعارضة المسلحة، خصوصاً الأكثر تطرّفاً، تستهدف المناطق المدنية بشكل مستمر، وأوقعت – كما فعلت البراميل والصواريخ الفراغية – خسائر في صفوف المدنيين.

رغم أن درجة عنف هذه الهجمات لم تكن الأقصى في سوريا، إلا أنها كانت الأقصى بالنسبة للمدنيين المقيمين في هذه المناطق، وأضيف إليها الخوف من التطرّف الديني، الذي بلغ أقصى درجاته في الصعود المفاجئ والسريع لتنظيم الدولة الإسلامية، والذي لم يشكّل فقط تهديداً لحياة المدنيين، إنما أيضاً لحرياتهم الشخصية وهوياتهم الثقافية والدينية، بل ولحريتهم بمعناها البدائي المقابل للعبودية.

يمكن القول أن الوصف الأكثر عدالة للسنوات ما بين 2013 و2024 هو “حرب أهلية”، وإن كان في ذلك انحياز للتوصيف التقني وتجاهل لمنبع الصراع. عانى المدنيون في مختلف المناطق من التهجير والتصفية الطائفية والعرقية. عانى سكان مناطق المعارضة من استهداف الأحياء المدنية وعانى سكان مناطق النظام من استهداف الأحياء المدنية، وفي الحالتين كان بين الضحايا فئات لا يمكن الظن بأنها تلعب أي دور في الصراع يبرر استهدافها، خصوصاً الأطفال.

السمة الوحيدة الفريدة لمناطق المعارضة كانت الضحايا الذي يسقطون في الاقتتالات الداخلية، أي التي لم يكن النظام وحلفائه طرفاً فيها، والسمة الفريدة لمناطق النظام الاستباحة الأمنية للمدنيين من قبل أذرع النظام القادرة على فرض إرادتها وسلب الجميع ما تشاء بدون أي منهجية أو سببية واضحة، بما في ذلك حياتهم. وعلى الرغم من وجود ممارسات مماثلة من قبل المعارضة المسلحة المسيطرة على مختلف المناطق، إلا إنها لم تكن بالاتساع والكثافة والهمجية التي اتسمت بها في مناطق النظام.

بالتوازي مع التوزع على جهتي هذا الجدار، كان تدفق المعلومات محصوراً في كل جهة بالرواية التي تقسم أطراف الصراع إلى خير وشر، معتدين ومدافعين، سالبي الحقوق ومحرّريها، إلى جانب إزالة التنوّع عن الطرف الآخر، فمعظم من كانوا يعيشون في مناطق سيطرة النظام لا يدركون – حتى يومنا هذا – العدد الهائل للفصائل وارتباطاتها المناطقية والدولية وأيديولوجياتها والتغيرات التي طرأت عليها، خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة التي هدأت فيها حدّة المعارك وبات كل طرف يخوض صراعات داخلية عسكرية وسياسية واقتصادية، بدلاً من الصراعات مع الطرف الآخر.

عند سقوط النظام انفتحت البوابات بين الجهتين، ولكن الحدث لم يكن ذاته على الجهتين. بالنسبة لسكان مناطق سيطرة المعارضة خصوصاً، كان الحدث تحرّراً وانتصاراً للثورة، التي أصبحت بحد ذاتها في هذه المرحلة مفهوماً غامضاً من الصعب رسم حدودٍ واضحة لها تفصل بين من ينتمي إليها ومن لا ينتمي إليها من القوى الفاعلة على الأرض، والتي ذابت بمعظمها ضمن جسمين عسكريين غير متجانسين في إدلب وريف حلب الشمالي.

أما بالنسبة لسكان مناطق النظام، المنهكين أصلاً من الاستباحة المفرطة لحياتهم اقتصادياً واجتماعياً، فالذي انفتح هو بوابة ظنوها أغلقت للأبد منذ عدة سنوات، بوابة يخرج منها عادة رجال عابسون خبروهم في مناطق ومناسبات عدّة، يسببون هجرة ونزوحاً، ولأن الطرف المقابل عادة عديم التنوّع كما ذُكر أعلاه، فإن الحدود التي تفصل بين تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام والجيش الحر وما إلى ذلك من الفصائل العسكرية شبه معدومة، فهم يرون وجوهاً وخطابات وحتى رايات مشابهة.

مباراة بين الخوف والثأر

بالعودة إلى قصة سالي وآن، فإن الكرة التي يختلف السوريون اليوم على مكانها موجودة في الخزانة، ولم تعد أصلاً لا في السلة ولا في الصندوق. وفيما كل طرف مسلح بثنائية الخير والشر الخاصة به، يبدو أن الطرفان متفقان على الانتصار للخير واستئصال الشر، ولكن الخلاف يقع في تعريف هذين الطرفين ورسم حدودهما.

بالنسبة للمناطق التي عانت من التطرّف الإسلامي، مثل السويداء ومحافظات الجزيرة والأرياف الساحلية، يبدو الحديث في ظل السلطة القائمة عن محاسبة مرتكبي جرائم الحروب من مقاتلي وقيادات المعارضة المسلحة ضرباً من الخيال.

وفي المناطق التي عانت من القصف والتهجير والإبادة على يد نظام الأسد، وفي ظل الأيديولوجيا المتطرفة التي حكمت مجتمعاتها في السنوات السابقة على سقوط النظام، فإن جميع “الآخرين” مذنبون، ولا بد من عقابهم أو خنق أصواتهم على الأقل والحصول على ضمانات بألا يساهموا في بناء سوريا الجديدة.

قد لا يكون هناك صراع فعلي على أرض المعركة – الحربية أو السياسية – بين المعارضة السابقة والنظام السابق، فالأخير اندثر بلا عودة مهما بدر عنه من محاولات إنعاش أخيرة، والمعارضة تلاشت وأجبرت على التنحي إلى الهامش لصالح فئة ضيقة من فئاتها، ولكن الصراع الحقيقي الذي يحول دون تحوّل الانتصار في حرب أهلية إلى تحرير حقيقي هو العجز عن إزالة الجدار بين السوريين الذين يظنون أنهم عاشوا على طرفي نقيض.

الصراع اليوم بين مشروعين، المشروع الأول أيديولوجي الظاهر لا يكترث كثيراً بالفكر بقدر ما يكترث بتغليب انتماءٍ شبه قبلي على بقية المشاريع الأخرى، سواءً كمكافأة على إسقاط النظام أو كعقاب للمشاريع الأخيرة لعدم قبولها العنف المفرط رداً على العنف المفرط، أساسه تعطش للانتقام.

أما المشروع الثاني فأساسه خوف، مكتوم مع سقوط النظام، ومتضخم مع وقوع مجزرتين أوقعت كل منهما أكثر من ألف ضحية خلال عدة أشهر فقط، أياً كان دور السلطة القائمة الفعلي المباشر أو غير المباشر في وقوعهما، وهذا المشروع يريد دوراً لأطراف فاعلة أخرى في إدارة المرحلة الحالية، ويبحث – وإن لم يكن ذلك صراحة – عن حصانة من نوع ما لقوى ساعدت النظام من خلفيات غير سنية، إسوة بنظيرتها السنية التي يبدو أنها حصلت على حصانتها من المحاسبة على ما ارتكبته سواءً في صفوف قوات النظام أو قوات التنظيمات المتطرفة.

المشروعان في جوهرهما مشروع حرب أهلية وإفلات من العقاب، ويشتركان في توجيه رأس الحاضر نحو الماضي بدل المستقبل.

أين الكرة؟

الكرة اليوم في ملعب السوريين. على عكس نظام الأسد، لا يمكن القول بأن هناك “نظام” على الأرض يتمتع بذات التمكّن القائم على شبكة العلاقات الأمنية والاقتصادية والإقليمية، وهذه الفوضى رغم سلبيتها فإنها تحمل في طياتها مرونة تشكّل فرصة ذهبية للسوريين للانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، للخروج عن السياق المستمر الذي يقبض على كل دول العالم الثالث فور اتخاذها خطوات خجولة نحو تداول سلمي للسلطة ويعيدها إلى الاستبداد.

ولكن كي يستعيد السورين زمام المبادرة يجب النظر بعين مجرّدة من انقسامات الثورة والحرب الأهلية إلى الانقسامات ذات المغزى في المجتمع.

الانقسامات التي يقوم عليها الخلاف اليوم عامودية بجوهرها، فكل فريق فيه أسياده وعبيده، أغنياؤه وفقراؤه، وهذا الانقسام ليس قائماً على خلافٍ فكري أو سياسي سابق بين السوريين، إنما لقسمة شبه نهائية بين مختلف أمراء الحرب في البلاد بعد زوال أمير الحرب الأكبر.

ولكن الفجوة أو الانقسام الحقيقي الذي يناضل كل أمراء الحروب للتغطية عليه هو انقسام أفقي، وقد بدأت ملامحه بالظهور مع تسامح مختلف أطراف الانقسام العامودي السابق على سقوط النظام مع أغنياء بعضها البعض.

يبدأ الاصطفاف بما يتوافق مع المواجهة الحقيقية في سوريا الجديدة في النظر إلى العوامل المشتركة في حاضر السوريين، لا ماضيهم، فما يجمع الأغلبية الساحقة من السوريين في الداخل السوري ودول اللجوء المجاورة هو الفقر المدقع والتوزّع غير المنصف للثروة بين أقلية اغتنت من اقتصاد الحرب والاستبداد، وأغلبية سُلبتْ منها مدخراتها وأعمالها ومعوناتها لأكثر من عقد من الزمن.

عند النظر إلى العوامل المشتركة في حاضر السوريين، يجب الاعتراف بأن سوريا بلدٌ مهزوم، في المواجهة بين السوريين كجماعة من البشر والأقلية المهيمنة إذا ما تغاضينا عن التناقضات بين أطرافها، الهزيمة من نصيب السوريين، فرأس نظام الأسد وأكتافه أفلتوا من العقاب ونجوا بأرواحهم وثرواتهم. المنعطف الوحيد الذي يمكن أن يحوّل انهيار نظام الأسد إلى نصر أو تكافؤ يكمن في إنجاز ينبثق من هذا الانهيار، ليس بالضرورة تحقيق كل قيّم الحرية والديمقراطية والمساواة والكرامة، إنما إنجاز ما يحوّل البوصلة نحو المسار إلى تحقيق هذه القيم.

يمكن القول بأن السمة الغالبة للمرحلة الحالية هي التنازلات. التنازل عن مسار العدالة، والتنازل عن توحيد البلاد، والتنازل عن الخصومة مع حلفاء النظام، والتنازل عن الأولويات الواضحة.

ما يمكن أن يوحّد السوريين – بدون نفي الخصومات السياسية بينهم – هو التوقف عن تقديم التنازلات، الاتفاق صراحة على أن نهاية عصر الأسدين يجب أن تعني نهاية عصر الموت تحت التعذيب وتحكيم السلاح خارج إطار القانون والصفقات في الغرف المغلقة والحصانة المطلقة للحكّام والموت المجاني وامتهان كرامات السوريين، وألا عودة إلى هذا العصر، وأن أياً كان من يستعيد طرائقه لا يقل عداوة للسوريين عن نظام الأسد، سواءً أكان من موالي السلطة الجديدة أو معارضيها.

لا يبدو أن سوريا ستشهد تغييراً سياسياً ذا مغزى في عقدها الاجتماعي وطرائق حكمها، وهي في الوقت نفسه مهددةٌ بتكريس هشاشة الغالبية الفقيرة وجعلها طابعاً دائماً لاقتصادٍ يُبنى حتى الآن بما ينفع أثريائه ومن يصاهرهم من رجال السلطة، والتغلب الاقتصادي مقرونٌ حتماً بتغلبٍ سياسي وعسكري وأمني.

استمرار الانقسام العامودي يعني حرباً أهلية مؤجلة – ليس طويلاً – واستمراراً لصوت المعركة الذي لا تعلو فوقه أصوات الجياع، أما التحوّل نحو انقسام أفقي فيعني وضع كل الأطراف أمام خيارٍ من خيارين؛ إما العمل لمصلحة السوريين أو مواجهتهم.

اشترك في القائمة البريدية لتصلك أحدث المقالات فور نشرها