
عندما استلم بشار الأسد الحكم وراثة من والده، كانت لدى كثيرون – على ما سمعنا – الكثير من الآمال الواسعة، مستبشرين خيراً بصغر سنه ونشأته الغربية نسبياً، رغم كل الدلائل التي توحي بالعكس تماماً، وعلى رأسها لي ذراع الدستور والعملية الدستورية، الصورية أصلاً، لتمهيد الطريق لتعيينه. هذا الأمل تجلّى بصدور إعلان دمشق عام 2005، وتلاشى برد الفعل القمعي للسلطة على هذا الإعلان وما زامنه.
وكانت هناك حالة مماثلة مع سقوط النظام، فالأسابيع القليلة السابقة والتالية لوصول فصائل المعارضة المسلحة إلى دمشق كان تفيض بالعبارات الكبرى، وعادت إلى الواجهة كلمات مثل الوطن والوحدة والحرية وغيرها من المفاهيم التي تحوّلت إلى نكتة بالنسبة للسوري الذي عانى بمختلف الأشكال خلال 15 عاماً، ضمن معاناة أطول استمرت لعقود، معاناة كانت ثيمتها الرئيسية الافتقاد لقيادة تسعى لنمو ورفاه الجماعة التي تخضع لنفوذها، مقابل قيادات تسعى بشكل رئيسي لتعزيز هذا النفوذ بحد ذاته، بشتى الطرق الاقتصادية والسياسية.
على الرغم من تباطؤ الحماسة وخفض سقف التوقعات لناحية الحجم والفترة المطلوبة لتحقيقها، فقد كانت هناك قناعة سائدة تؤكد على أن السوري كان أصلاً يعيش في الحضيض، في قاع الانحدار الاقتصادي والسياسي والخدمي، ولا يوجد سوى اتجاه واحد يمكن أن تتحرك فيه الأمور، خصوصاً مع عدم حصول تغييرات جذرية فورية، وتعطّل العديد من وظائف الدولة في منطقة سيطرة النظام الناشئ، ما جعل رصد التغيرات أكثر صعوبة.
رغم عدم وجود وحدة جغرافية جديدة، باستثناء انفتاح مناطق سيطرة النظام على مناطق سيطرة فصائل هيئة تحرير الشام والجيش الوطني، بدون أن يكون هناك اندماج حقيقي بين المنطقتين حتى كتابة هذا المقال، ورغم التنازل عن مواصفات دولة الأحلام الديمقراطية مقابل رشادها وإظهارها لقدر أقل من الوحشية، فقد كان هناك أملٌ ما، خصوصاً لدى الفئات التي كانت تخشى سيطرة فصائل المعارضة المسلحة على مناطقها لأسباب وجيهة غالباً، فما بالك بسيطرتها على مركز ثقل الحكم في سوريا.
مع قدوم شهر آذار، يمكن القول أن مرحلة هدوء الأفئدة هذه انتهت بلا رجعة، فالمجازر التي بدأت في أرياف اللاذقية وطرطوس وحماة بثلاثة أيام دموية، واستمرت حتى يومنا هذا بوتيرة أبطأ، زادت صعوبة دعم عدة فرضيات أساسية شكلت ركيزة للتفاؤل الحذر من قبل البعض والساذج من قبل البعض الآخر، والتي كانت ابتداءً من الساعات الأولى لسقوط النظام الخيط الرفيع الوحيد الذي يجمع السوريين إلى حدٍّ ما، خصوصاً ما بين كتلتين من البشر عاشتا آخر عشر سنوات في ظروف متباينة حد التناقض.
كانت فرضية النظام البائد الأساسية التي استخدمها صراحة وضمناً لتعزيز سطوته قائمة على طبيعة الفصائل المسلحة التي تحاربه، وهي طبيعة مختلقة أحياناً، خصوصاً في بدايات ظهور المعارضة المسلحة كردّ فعل على آلة قتل وحشية لا تكف عن التصعيد وتكليف المجتمع أثماناً لا تتلاءم مع الطبيعة السلمية المهيمنة على ساحات الثورة، ولكنها كانت حقيقية أحياناً أخرى، أو مبررة على الأقل، خصوصاً مع تصدّر مجموعات سلفية جهادية للمشهد المسلح، مثل جيش الإسلام وأحرار الشام وبالطبع جبهة النصرة. ولم تكن الإشكالية المحيطة بهذه الفصائل تتعلق بإطارها الأيديولوجي فقط، بل ملامح أسلوبها في إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وتعاملها مع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.
على الصعيد الداخلي للمناطق المحرّرة، لم تشهد هذه المناطق أي شكل من أشكال الإدارة الموحدة، أو تداول سلمي للحكم يقدّم نموذج بديل يغري من خارجها بالانضمام إليها، كما لم تشهد حرية سياسية بالمعنى الواسع، واقتصرت الحريات السياسية فيها على القدرة على انتقاد النظام، الأمر الذي بالكاد يحسب لها كونه لا يختلف عن انتقاد الخاضعين لنفوذ النظام للمعارضة. في الوقت نفسه امتد تقييد الحريات فيها لمستوى جديد لا نراه في مناطق سيطرة النظام، ليشمل الحريات الشخصية، بما في ذلك من تحديد لأسلوب اللباس مثلاً أو منع التدخين.
على الصعيد الخارجي، لم تكن العديد من هذه الفصائل تتحرّج من التصريح بأنها تستهدف المدنيين، تحت ذريعة استهداف “معاقل الشبيحة” تارة، وتحت ذريعة الانتقام من فظاعات النظام تارة أخرى، مثل ما فعل جيش الإسلام حين تقصّد إطلاق قذائف الهاون في ذات توقيت بدء ساعات الدراسة في دمشق انتقاماً لقصف النظام لمدرسة في الغوطة الشرقية.
إضافة إلى الاستهداف عن بعد للمدنيين، ارتكبت هذه الفصائل في عدة مناسبات سياسات انتقامية وجرائم حرب فور وصولها لمناطق سيطرة جديدة، استهدفت بشكل خاص أبناء الطائفة العلوية، إلى جانب العاملين في مؤسسات الدولة وإن كانوا مدنيين، سواءً عبر إعدامات ميدانية خالية من أي محاكمة أو التزام بقواعد معاملة أسرى الحروب، أو عبر خطف وإخفاء المدنيين والتنكيل والتشهير بهم، ومن أمثلتها الصور العالقة في الأذهان للمدنيين المسجونين في أقفاص في شوارع الغوطة الشرقية، والفظائع التي ارتكبت بحق المدنيين من الأقليات غير السنية خصوصاً في عدة مواقع فور سيطرة فصائل المعارضة الجهادية عليها.
قبل سقوط النظام، كان لدى العديد من السوريين، أسباب وجيهة لعدم الثقة بالمعارضة المسلحة، سواءً من أبناء الأقليات المغضوب عليها سلفياً، أو من السنة غير المتفقين مع الإطار الديني والسياسي الذي تتبعه هذه الفصائل، والتي باتت بعد انهيار مشروع الدولة الإسلامية تضم في صفوفها العديد من مقاتلي التنظيم سيئ السمعة “التائبين”، وحتى في صراعاتها خارج ثنائية المعارضة-النظام، لم تكن أكثر مدعاة للثقة، وبالتزامن مع التغيير الديمغرافي الذي كان يسعى له النظام في عدة مواقع، كان السوريون الأكراد مثلاً يهجّرون من منازلهم من قبل هذه الفصائل لتحل محلهم العائلات التي هجّرها النظام من مختلف المناطق التي استعاد السيطرة عليها.
الفرصة الضائعة
مع تحرير مدينة حماة، وتوضّح مدى وطبيعة التغيرات الميدانية الحاصلة، كان لدينا طرفان – ضمن عدة أطراف في المعادلة – يتمثلان في المعارضة المسلحة السلفية الجهادية من جهة، والمدنيين المقيمين في مناطق سيطرة النظام من جهة أخرى، ومن بينهم ما تبقى من أبناء الأقليات الدينية في سوريا، وعلى رأسها الطائفة العلوية المتهمة في الخطاب الشعبوي بكونها حاضنة النظام أو حتى بكونها النظام بحد ذاته.
الطرف الأول وافق على التخلي عن خطابه الإقصائي الذي يهدد وجود الطرف الثاني، واستبدله بخطاب جامع، والأهم خطاب يتبنى سردية الثورة التي كانت هيئة تحرير الشام ترفضها، وترفض رايتها، حتى وقتٍ قريب.
أما الطرف الثاني فوافق من جانبه على التخلي عن حذره ورفضه للطرف الأول، داعماً موقفه بتغيّر جذري في الخطاب، وفي اختلاف يكاد يكون جذرياً أيضاً في سلوك هذه الفصائل عند دخولها مناطق ومدناً جديدة تحتوي مكونات غير سنية، مقارنة بأمثلة من الماضي القريب، خصوصاً ما قبل اتفاقيات خفض التصعيد.
مع بدء مجازر الساحل، والوقاحة التي تم تصويرها بها وبثها والدفاع عنها، خصوصاً في الساعات الأولى التي كانت تحمل توقعات بإجماع شعبي على القبول بها، ومع امتداد هذه المجازر في الأيام التالية انهارت دفاعات عدة فرضيات كان الاستقرار الهش الذي تبع سقوط النظام يستند إليها، خصوصاً مع رد فعل الإدارة الجديدة الهزيل الذي يحاكي سلفها الأسدي بتشكيل اللجان بدلاً من القيام بالفعل البديهي، وهو القبض على الأشخاص المعروفين بوجوههم وأسمائهم وتقديمهم للعدالة.
الفرضية الأولى التي انهارت، على الأقل بالنسبة للمدنيين الذي تفرّجوا على أحبتهم يُقتلون بدم بارد على مرأى منهم، هي حصول مراجعة أيديولوجية لدى جماعة هيئة تحرير الشام، فالتحالف العسكري الذي يمكن وصفه بالأكثر تطرّفاً بعد تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يضم في صفوفه عدداً من عناصر التنظيم السابقين، عاد لسيرته الأولى، والتي كانت تدفع الكثير من الملتحقين بقوات النظام الأسدي للدفاع باستماتة عن مناطقهم في وجهه ووجه حلفائه.
مع انهيار هذه الفرضية، انهارت تلقائياً فرضية أخرى، فما بين سردية الثورة وسردية الحرب الأهلية، وبالتالي انتصار الثورة مقابل سيطرة فصيل على منطقة جديدة واسعة هذه المرة، خط رفيع، يكاد يكون معياره الوحيد هو كيفية التعامل مع المدنيين، وللإحاطة بهذه الفرضية التي انهارت ونقيضها الذي عاد ليطفو إلى الواجهة، لا بد من العودة إلى الملامح العامة للوضع مع قبل سقوط النظام وما قبل بدء عملية ردع العدوان.
كانت سوريا موزّعة على خمس جهات نفوذ مختلفة، روسيا وإيران وواجهتهما النظام، هيئة تحرير الشام وواجهتها حكومة الإنقاذ، تركيا وواجهتها الجيش الوطني والحكومة المؤقتة، قوات سوريا الديمقراطية، وأميركا وواجهتها جيش سوريا الحرة. من حيث المبدأ لم تستطع أي من هذه الجهات تقديم أي تجربة سياسية تستحق الالتفات إليها لناحية تمكين السوريين تحت سيطرتها من حكم أنفسهم بأنفسهم ولو جزئياً، كما عجزت جميعها عن تحقيق أي تنمية اقتصادية تذكر في مناطق نفوذها، مقابل هيمنة اقتصادية غايتها تمويل أدوات استمرارها والموارد اللازمة للحفاظ على هيمنتها.
استمرار هذا النهج في الحكم أو انقلابه نحو محاولة توسيع دائرة اتخاذ القرار هو المعيار للتمييز ما بين سيطرة أمراء الحروب وسيطرة حكومة للجميع تحمل شرعية شعبية.
رغم الانفلات والأخطاء والانتهاكات الجسيمة السابقة على المجازر، لم يمكن أن توصف التجاوزات بأشكالها المختلفة بأنها منهجية، ولكن مع وقوع المجازر اختلفت النظرة نحو التغير الذي حصل في 8 كانون الأول من كونه نهاية الحرب والثورة وبداية عهد جديد للبلاد أجمع، إلى مجرّد فصل جديد من ذات الحرب الأهلية بذات ماهية الحكم وذات الاستباحة للمدنيين وذات هيمنة السلاح.
أما الفرضية الثالثة التي سقطت مع المجازر فهي فرضية الوحدة الممكنة. الخطاب الذي وجهته هيئة تحرير الشام أثناء عملية ردع العدوان، وبعد سقوط النظام، كان يصرّ على توحيد عدة مكوّنات، أولها المكونات الفصائلية للمعارضة المسلحة، سواءً تلك الموجودة في منطقة سيطرة هيئة تحرير الشام، المنضوية شكلياً تحت قيادتها أم لا، وخصومها في مناطق سيطرة الجيش الوطني، والأطراف الأخرى الأقل تقارباً في الجنوب السوري.
الحديث الذي تردد عن كون من ارتكب المجازر فصائل غير منضبطة كشف زيف ادعاء وزارة الدفاع قدرتها على اجتراح معجزة توحيد فصائل مسلحة تحاربت فيما بينها لأكثر من عقد من الزمن، وجعلتْ السوريين فجأة في مواجهة فوضى مسلحة بدلاً من جهة واحدة ذات قيادة وازنة بشكل أو بآخر. تقرير رويترز الأخير ربما يعيد هذا الجانب من فرضية الوحدة إلى الصواب، مع ادعاء التقرير أن الرضا عن المجازر على الأقل كان عاملاً مشتركاً بين هذه الجهات والفصائل.
أما الوحدة الأخرى التي نسفتها المجازر فهي وحدة السوريين أنفسهم، فبعد تبنيهم شكلياً للخطاب الوردي الذي كان يظهر على شكل خطابات قصيرة ولقاءات صحفية أثناء عملية ردع العدوان، سرعان ما انقسموا حول الموقف من المجازر، بين مدين ومنكر وحتى مدافع عنها، انقسام لا يمكن سوى أن يذكرنا بسنوات الثورة الأولى.
بعد المجازر التي جسّدت أسوأ مخاوف السوريين المقيمين خارج مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، وجد العديد من السوريين الذين كانوا في مناطق سيطرة النظام، أياً كان موقفهم من النظام والثورة، أمام سلطة لا تقف على مسافة متساوية من كل السوريين، مؤلفة بشكل أساسي من أحد أكثر مجموعات المعارضة المسلحة تطرفاً، والأهم أنها عادت بهم بالزمن إلى 8 كانون الأول في إعادة تصور للحدث، واستيعابه كعصر سيطرة أمراء حرب آخرين، لا تحرراً من إمارة الحروب.
