حديث النثر – فرناندو بيسوا

 

فرناندو بيسوا

من (كتاب اللاطمأنينة) لـِ فرناندو بيسوا (1888 – 1935) – ترجمة: المهدي أخريف – المركز القومي للترجمة 2008

أفضل النثر على الشعر، كشكلٍ من اشكال الفن لسببين، الأول شخصي خاص وهو أنني غير قادر على الاختيار، وإذن فأنا عاجز عن كتابة الشعر، السبب الثاني عام، وهو ليس – أعتقد ذلك حقاً – ظلاً أو قناعاً للأول،       إنه يمس المفهوم الخاص لقيمة الفن بكاملها.

أعتبر الشعر شيئاً وسيطاً، خطوة من الموسيقى باتجاه النثر، مثل الموسيقى، محكوم بقوانين إيقاعية محددة، وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم، فهي قائمة، مع ذلك، كدفاعات، كإكراهات كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب، في النثر نحن نتحدث أحراراً، بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية، وأن نوجد خارجها، مع ذلك إن تسرب إيقاع شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر؛ لكن تسرب إيقاع نثري عرضاً إلى الشعر يفسد الشعر.

الفن كله متضمن في النثر، من جهة لأنه في الكلمة، الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الإمكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في آن، في النثر نمنحه كل شيء، بواسطة التحويل نمنحه اللون والشكل اللذين ليس بمقدور الرسم منحه إياهما إلا على نحو مباشر، وبدون أي بعد حميم؛ ونمنحه الإيقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً، وبدون شكل مجَسْدن، ومجرداً من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة؛ ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة، معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات وترديدات من متتاليات وانسيابات، ثم نمنحه الواقعية التي على المثال أن يخلقها في العالم بلا ليونة ولا استحالة، وأخيراً نمنحه الشعر، الشعر الذي دور الشاعر فيه شبيه بدور المبتدئ في محفل سري، هو عبد، وإن طوعاً، لمقامات وطقوس معينة.

إنني على يقين من أنه، في عالم متحضر تماماً، لن يوجد فن آخر غير النثر.

سوف نترك الغروب للغروب، معتنين بالفن وحده، مستوعبينه شفوياً، ناقلينه هكذا بواسطة موسيقى تفهم بالقلب. لن نصنع نحتاً للأجساد التي ستحتفظ، مرئية وممسوسة، برونقها متحركاً وبدورتها ناعمة، سننشئ بيوتاً، فقط لنقيم فيها، وهو ما من أجله وجدت البيوت في النهاية، أما الشعر فسيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي، لأن الشعر، بالفعل، طفولي وأولي وتحضيري.

حتى الفنون الدنيا، أو تلك التي يمكن تسميتها كذلك، تظهر وشوشاتها في النثر، ثمة نثر يرقص، نثر يغني، نثر ينشد بذاته لذاته، ثمة إيقاعات شفهية هي بحد ذاتها رقصات تتعرى فيها الفكرة ملتوية بشهوية وحسوية نصف شفافة ومتقنة، ثمة في النثر أيضاً خبايا مرتعشة، يبث فيها ممثل كبير هو الفعل، بجوهره المُجَسْدَن، عبر الإيقاع، سر الكون المتعذر على الإدراك المحسوس.

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتصلك أحدث المقالات فور نشرها

1 فكرة عن “حديث النثر – فرناندو بيسوا”

التعليقات مغلقة.