أنا بلا وجه، أخاف أن أبتسم، فالمكان عاجز عن إدراكي والجدران حولي لا تحمل أي دلالة سوى حدود الحركة التي أملك، أدور حول نفسي، أغوص في أعماقي، أستنفر أقصى ذكرياتي، وأبحث بعيداً عن الطفل الذي كنت، مشتاقاً حدّ الوجد إلى لحظات الدهشة الأولى.
لا شيءَ يحصل في الخارج، كلّ الحروب والصراعات واتفاقيات السلام وإعادة الإعمار تعقد بعيداً عن بصري. بين أربعة جدرانٍ، وما دام السقف لم يقع، لا يحصل ما يستحق الالتفات إليه. كلّ شيءٍ على حاله، وسيكون كذلك غداً. أحياناً يتغير لون الصنبور ببقع جديدة يلتهمها الصدأ، وقد يتحول إلى الأخضر لاحقاً، أخاف أن ينفجر ويُغرِق المكان، أن أموت قبل معرفة أحدٍ باللاشيء الذي يجري هنا؛ قد لا يكون غرق إنسان بصمت مذكوراً بين طوارئ فتح الأبواب.


Λογος
لوغوس


1

قطرات الماء تتساقط من السقف، أغلب الظن أنّ المطر يهطل في الخارج. لا ينفذ نور الشمس إلى المكان، لكني أعرف أنها تشرق عندما يشتغل المصباح الصغير في السقف، وأنّ موعد النوم حان عند إطفائه. لونه أبيض حزين، ورغم الحزن الذي يتسبب به لم أصرّ على إزالته. حاولتُ مرّة، ولكني عجزت عن إزالة غطائه الخارجي، توقفتُ عن المحاولة خوفاً من العجز عن حساب الأيام حين تتوقف هذه الشمس الصغيرة عن الشروق.

استيقظتُ اليوم ناسياً عدد الأيام التي أحصيها، وضعتُ – كعادتي – رقماً آخر تقريبياً وتابعت الحساب من جديد. لا أتذكر الآن عدد المرّات التي تابعتُ فيها من رقم تقريبي، اليقين المطلق بخصوص الزمن مستحيل هنا، يوجد وقت فائض أكثر من القدرة على تذكر ما يحصل أثناءہ، وقت خالٍ من أي علامة أو سبب للاحتفاظ بذكرى؛ كلّ الثواني متشابهة وكذلك الدقائق وقطرات الماء المتسربة من السقف، لا شيءَ يملك علامة تميزه عن أقرانه.

لو كنتُ أعرف أيام الأسبوع لانخفض ترقبي بمقدار يومٍ أو يومين أعرف أنهما أيام عطلة في الجنوب، وسيكون الأمر ممتعاً أكثر إن عرفتُ اليوم والشهر، هكذا أستطيع تجاهل العطل الرسمية، وزيادة الأيام الخالية من الترقب إلى أكثر من مئة وأربعة وعشرين يوماً كلّ عام، مئة وأربعة وعشرون يوماً لا أترقب فيها فتح الباب وخروجي دون مقدمات. جلّ ما أملكه بعض قطرات المطر لا أكثر تمرّ لتخبرني أنّ شتاءً قد مرّ… ربما، كلّ شيءٍ مشوش ولا أدري كم تغيرت تفاصيل العالم في غيابي، وإذا خرجت… الأسئلة التي تبدأ بـ«إذا خرجت» تبتلعني كالرمال المتحركة. من الأفضل الإيمان باستحالة الخروج.

الدقائق تتمدد حولي، لم أعد قادراً حتى على تحديد ما إن كان حدثٌ ما – كغسيل الثياب أو التغوط أو فكرة – قد وقع في الأمس أم اليوم. الوقت أكثر شروداً حتى من دمي، والثانية أطول من قبلتي الأولى التي تبحر الآن بعيداً في أعماق الماضي، لتصير تاريخاً يتطلب الغوص نحوه احتمال الروح للضغط الهائل من الزمن. لا أتذكر وجهها الآن، جلّ ما أتذكره أنها قبّلتني لست ثوانٍ كاملة، أحاول بلا جدوى أن أقدّر كم تبلغ ست ثوان. أيامي في الخارج اختلطت بعضها ببعض، وكأنّ كلّ ما حصل قد حصل دفعة واحدة، لتبدأ المسيرة المقاسة بالزمن وتتالي الأحداث هنا؛ عند التذكر.

إنني مشوش كبشرية، ولا أستطيع التفكير أبعد من فتحة التهوية، قرب بقعة الطلاء البادئ بالتقشر، حيث يمرّ الماء عند هطول المطر.

جرّبتُ أن أترك شطوباً على الجدران لحساب الأيام، لكنه صلب، وأظافري يلتهمها الضمور والتجفاف بعد أن تساقطت عدة مراتٍ، تنسى أن تنمو أو تمتنع عن ذلك خوفاً من الجدار.

كلّ سنة أنتظر الشتاء الذي تكتمل فيه السنة، ابتداءً من الخريف أستنفر، أخرج من قوقعة أفكاري، أنتظر كلّ وجبة وكلّ إطفاء أو إشعال للنور، يعود اكتراثي بالزمن، فالطريق يحمل في مكانٍ ما عربة من الأمل. تتغير عاداتي أثناء فترات الترقب هذه؛ أغسل وجهي كلّ يوم مرّتين أو ثلاث، أفعل ما بوسعي لأستعيد عافية مظهري، أتناول طعاماً أكثر من المعتاد، أحياناً أنهي كامل وجباتي الثلاث، أحاول استعادة قوتي بالرقص، لكن لا موسيقا لأرقص على أنغامها سوى تلك التي في رأسي، ولا أحد هنا ليشاهد قفزاتِ صانع مطر مبتدئ، أغنّي فأكتشف أنني فقدتُ نصف اللغة، صفحاتٌ كاملة من قاموسي تحترق في لحظة شرود.

قطرات الماء البطيئة تنزل من السقف لتستقرّ على طرف مقعد المرحاض، أجفّفها ببنطالي قبل استخدامه وأتجاهل تساقطها على فخذي الأيمن أثناء جلوسي، أفكاري في مكانٍ آخر. أنا الآن داخل كهفٍ من الزمن، قد تكتمل فيه عقوبتي؛ متأهباً أنتظر.

أجلس معظم الوقت على مقعد المرحاض، فلا كرسيَ آخر أستخدمه…

الشتاءات غير قاسية هنا، جلّ ما يتغير هو أنني أستخدم الغطاء الصوفي الأسود لعدد أكبر من الليالي، أحياناً أتخلى عنه وأعود إليه في أقل من أربعة أيام، أفقد بسبب ذلك قدرتي على تمييز الفصول مؤقتاً، وفقاً لتقديري فإنّ هذا الشتاء هو الثاني، دون احتساب الشتاء الذي بدأت فيه عزلتي، أنا هنا منذ سنتين تقريباً إن كانت قطرات الماء لا تكذب بخصوص المطر.

لا أذكر آخر مرة رأيتُ فيها وجهاً سوى وجهي، أو حتى وجهي؛ لا مرآة هنا والماء في المرحاض لا يعطي سوى تشويشاً عن الحقيقة. أنسى تدريجياً كيف تبدو وجوه الآخرين حين يتكلمون، التوفيق شديد التعقيد بين نطق الحروف، والتعبير بعضلات الوجه عصي على الفهم دون معاينته أو الحاجة لاستخدامه.

أنا بلا وجه، أخاف أن أبتسم، فالمكان عاجز عن إدراكي والجدران حولي لا تحمل أي دلالة سوى حدود الحركة التي أملك، أدور حول نفسي، أغوص في أعماقي، أستنفر أقصى ذكرياتي، وأبحث بعيداً عن الطفل الذي كنت، مشتاقاً حدّ الوجد إلى لحظات الدهشة الأولى.

لا شيءَ يحصل في الخارج، كلّ الحروب والصراعات واتفاقيات السلام وإعادة الإعمار تعقد بعيداً عن بصري. بين أربعة جدرانٍ، وما دام السقف لم يقع، لا يحصل ما يستحق الالتفات إليه. كلّ شيءٍ على حاله، وسيكون كذلك غداً. أحياناً يتغير لون الصنبور ببقع جديدة يلتهمها الصدأ، وقد يتحول إلى الأخضر لاحقاً، أخاف أن ينفجر ويُغرِق المكان، أن أموت قبل معرفة أحدٍ باللاشيء الذي يجري هنا؛ قد لا يكون غرق إنسان بصمت مذكوراً بين طوارئ فتح الأبواب.

العالم يختفي، يتقلص إلى حدود أربعة جدرانٍ ومرحاضٍ وفراشٍ وصنبورٍ صدئ، أنا جزءٌ من المكان، صوتي هو صوته، وفي أعماقي أصبح أكثر خلواً منه. لا توجد نافذة هنا، فقط فتحة التهوية بحجم الكف في السقف، حاولتُ انتزاعها، وعجزتُ أيضاً.

ساعات الظلام هي المفضلة لدي، الضوء يجعل الكون مملاً، السماء نهاراً قبة زرقاء كبيرة تكتم أنفاسنا وتمنعنا من النظر إلى الخارج، لا بدّ من الظلام كي يصبح الكون أوسع. ولكنّ السماء غير موجودةٍ هنا، فما لا أفكر به غير موجود، معنى الكون محصورٌ داخلي؛ أنام فيدخل في غيبوبة وسكون بانتظار الصوت الأول المتسرب إلى أذنيّ في الصباح، أموت فيختفي. أكرر عناصر الكون لنفسي، جدران، مرحاض، صنبور صدئ، فراش، عدد الجدران يفقد معناه تدريجياً. صنبور صدئ، مرحاض، جدران، وفراش. أما الغطاء السميك، فابن قدسي للفراش، يظهر فقط عند الضرورة.

كلّ ما في الكون في متناول يدي ولا مكان بعيداً عني. داخل دقائق الأشياء، حيث لا يمكن لعيني أن ترى، توجد الحيوانات والبشر وشتى الكائنات الصغيرة التي لا تعنيني تفاصيل حياتها، جل ما تفعله هو التكاثر والأكل والأكل والتكاثر، لا تتغير. المكان حولي أصغر مما أعتقد، لكنه أكبر مما أتخيل.

لم أعد أفكر بأنّ الباب سيفتح، لا شيءَ خلفه، النهاية تقع عنده وهذا كلّ شيء. فليتّسع العالم ما شاء، سيكون هناك دائماً باب موصد في نهايته.

أسكب حسائي على الأرض، لا أنظفه، أتركه بانتظار أن تأتي بعض الحشرات لسرقته، ولكن بعد مرور أربعة أيام، وعدم مرور أي صرصور أو نملة أو حتى عفن بالقرب من الحساء، أفقد الأمل وأنظف البقعة بالماء وقميصي.

لفترة من الزمن تسربت إليّ من الخارج بعض الأغاني، تصلني منها في فترات عشوائية من النهار نغمات بعيدة، تغوص في سماكة الباب وتتسرب إليّ منهكة هزيلة، لم تكن بالفعل موسيقا بل مجرد تذكير بصوتها، صدىً بعيداً كذكرى استطاعت أن ترخي قبضة الصمت عن عنقي، لم أتواصل مع أي إنسانٍ سوى من كان يشغل الموسيقا، لم نتكلم، لم نتبادل حديثاً أو ندخل في شجار.

والآن… لستُ واثقاً ما الذي أريد الخروج إليه.

فقدتُ الأغاني التي كنتُ أحفظها وأرددها بصوتٍ منخفضٍ، فقدتُ كلماتها، وأصبح تأليف أغانٍ جديدة مهربي الوحيد، أكرر الجملة حتى تندفع إليّ التالية، ثم التالية، ثم التالية. لا شيءَ يشوّش تفكيري، هدوء مطبق ووحدة كلية، أغمض عينيّ وأتخيل المقدمة الموسيقية للأغنية بانتظار دوري لأبدأ بالغناء. أغنية واحدة استغرقت الكثير من الوقت ولم أكملها، جملة واحدة أرددها في رأسي طوال النهار، ولا أدري كيف أنتقل إلى التالية: لو ملكتُ البحر والسماء… لو ملكتُ البحر والسماء. أثناء التأليف أجلس على المرحاض وأنقر على الحافة لأحافظ على الإيقاع، أشعر به يمرّ من جسدي، بدءاً من مؤخرتي النحيلة التي تخفف حدّته بشكلٍ بسيط. ما الذي سأفعله إن ملكتُ البحر والسماء؟

قطرات الماء البطيئة ما زالت تتسرب من السقف، والموسيقا مستمرة بالتشكل في سريرتي، إيقاع القطراتِ ثابت لا يتغير، إن اشتدّ فالمطر قد عاد، وإن بطؤ فإنّ الشمس قد أشرقت والماء المتجمع يجف، هذا ما أحب تفسير الأمور به.

أخدّر عزلتي بما أظنه فهماً للخارج دون معاينته.

جرّبت أن أقول «مرحباً» حين يُقدَّم الطعام، أربع وسبعون وجبة ألقيت عليها التحية، رغم معرفتي أنّ نظاماً إلكترونياً هو من يوصل لي طعامي حتى قبل أن يقفل باب الغرفة عليّ، لم يجب أحد بالطبع، وأنا بأمسّ الحاجة لسماع صوتٍ آخر غير صوتي، للشعور بكائنٍ آخر. لا أريد إنساناً كاملاً، يد واحدة أو صوتٌ يكفيني، أنا والمكان بتنا واحداً، ينشر داخلي خلوه، وأنشر فيه شوقي للانعتاق.

عكّرتْ فتحةُ الطعام بركةَ السكون قليلاً، فُتح غطاؤها وبصقَ صحناً فيه حبة بطاطا مسلوقة مقسومة إلى نصفين وبعض اللبن، أكثر الوجبات اعتيادية هنا. نهضتُ عن المرحاض، تناولتُ الصحن وجلستُ على فراشي، غطّست نصف حبة البطاطا في اللبن وقضمتها، لكن…

نظرتُ إلى ما تبقى من نصف حبة البطاطا بتمعّن باحثاً عن مصدر الطعم الغريب؛ ذراتٌ بيضاء على الجزء الخارجي من البطاطا، أعرف هذا المسحوق، كنتُ أستخدمه كثيراً قبل إقفال الغرفة… إنه الملح!

لم أنظف أسناني بلساني وتركتُ أثر الملح يختمر في فمي. أرجعتُ الصحن بسرعة إلى فتحة الباب، انتظرتُ أن يُسحب ويعاد ملؤه من جديد كما هي العادة حين أرغب بالمزيد من الطعام، ولكن هذه المرة بالذات لم يحصل شيء، استمرّ سكونه مثيراً للريبة. فقدتُ الأمل، تخليتُ عنه وتفاديتُ السقوط في هوّته من جديد، استلقيتُ على الفراش، أغمضتُ عينيّ، وأخذتُ أحرّك اللعاب المالح في فمي بإيقاع ثابت.

طالت مدة المفاجأة، ما زلتُ منذ ابتلاع ذرة الملح الأخيرة أعيد اكتشاف الطعم عشر مراتٍ كلّ لحظة. تذكرتُ الأغنية، ربما الآن مع جرعة النشاط هذه أتممها، أحكمتُ جفنيّ ورددتُ كلماتها… لو ملكتُ البحر والسماء، لو ملكتُ البحر كله والسماء، أعصر ذاكرتي، أطالب بكلّ الكلمات العربية على قافية سماء، ماء دواء حسناء أسماء أحياء إغراء إسراء أشلاء…ألخ.

مئات الكلمات تتهافت على رأسي، لا تبدو أيٌّ منها مناسبة لإتمام الأغنية أو حتى ذات معنى على الإطلاق، لا بدّ أن يكون أمراً بسيطاً ما سأفعله بالبحر والسماء. عجزي عن إتمامها استحال صداعاً يتصاعد كقرع طبولٍ غير منتظم، يتسارع، يرتفع، الكلمات تستمر بالانهمار، ورماد صفحات قاموسي المحترقة ينهض فجأة من رقاده ليزدحم بها المكان، يزداد القرع سرعة، يرتفع، يشتد حتى يصل إلى ذروة ويترجل عنها ويعتليها مرة أخرى وأخرى وأخرى، يتحول لموجاتٍ عنيفة من صراخٍ طفولي لآلاف الطبول.

انطلق صوتٌ صغير بريء فصمتت كلّ الطبول، أتى هذه المرّة من خارج عقلي، من فتحة الباب، سُحب الصحن أخيراً، لكنّ الغطاء لم يغلق. نظري ظل منصبّاً عليه، نـفَـدَ صبري، هل سيعطيني المزيد من البطاطا والملح؟ لكن بدل الطعام نزل شيءٌ أبيض صغير، أصغر من أن يكون حبة بطاطا، ويصدر من أحد أطرافه دخان بطيء…

احصل على نسختك من رواية

ظلال الآخرين


نسخة إلكترونية

Amazon Kindle

Google Play

OverDrive


نسخة ورقية

Antoine Online

نيل وفرات

مكتبة جرير


مكتبات

السعودية
دار الورّاق
00966112344522

مصر
دار الكرمة للنشر
0020225161652

الإمارات
مكتبة كالتشر آند كو (Culture & Co)
0097143573603

سوريا
دار نينوى للدراسات والنشر
00963112326985

العراق
دار الكتب العلمية
009647819141219

الأردن
دار الأهلية للنشر والتوزيع
0096264638688

المغرب
إصدارات الفاضل
0021252228360

الولايات المتحدة
Jarir Bookstore / Trade Books
0017145398130


لم تجد بلدك؟ يرجى الاطلاع على القائمة الكاملة لموزعي هاشيت أنطوان / نوفل

اشترك في النشرة لتصلك آخر المقالات والكتب