هذا الوجه ليس لك

أن تكسر ساقك أثناء مباراة كرة القدم أو تحت ثقل الإسمنت الثقيل؛ الألم بعد حدٍّ معين يصبح واحداً، لكن مقدماته هي التي تجلب كل هذا الحزن لمن يحتضنه… إذاً استمع: كانت الأرض مهداً كبيراً، كنا نمص أصابعنا وأعضاء أخرى دون عناءٍ أو مقدمات، إلى أن جاؤوا بوجوههم العابسة، وزعوا علينا البندقيات وعلمونا أن نصوب فوهاتها نحو الآخرين، أخبرونا أنهم – بوجوههم العابسة – ليسوا الآخرين.

نورٌ ساطعٌ يوقظكَ من نومك؛ أتبتسم للصورة أم تخفض الرأس تفادياً لأنقاض البناء المجاور؟ لا يهم؛ استيقظتَ متأخراً ولا شيءَ تقوم به الآن يغير أي شيء.

مهاجراً روحاً أو جسداً، أولئك الذين ظلوا يحرسون حطام المدينة هاجرت أرواحهم، وآخرون من أصحاب الأرواح العنيدة غادرت أجسادهم بحراً أو جواً أو سماءً واسعة يبتسم فيها كل شيء… وأنتَ، وسط كل هذا الخراب تراقب وجهك، تجعل من عيون الآخرين وابتسامتها مرآة، تراقب انعكاسه على زجاج السيارات الخائفة، هذا الوجه ليس لك، سرقت وجهك الرياح وما هذا الذي تظنه وجهاً سوى خدوش أظافر الزمن الحارقة.

استمع… دع صوت سحاق الأشجار يقيناً، غيّبه عن مداركك، ستسمع الأرض تتنفس الصعداء، أن تدور حربٌ فوق بطن أرضٍ حبلى يؤلمها ويمسخ الجنين، وكل مرة تغفو عينها يوقظها دبيب الحرب المصم، هذه أرضٌ ملعونة لا تنام.

حين أتعثر… أهو دوارٌ أصابني أم الأرض ليست على ما يرام؟

أن تشجع الفريق الذي لا يفوز أو تفقد منزلك الذي بنيته لعشر سنواتٍ، أن تختفي وجوه لاعبيك المفضلين لأن الكاميرات تحب المنتصرين أو تتفرج على خزانتك تباع على قارعة الطريق؛ ذات الخيبة، سوى أنه يمكنك أن تطفئ التلفاز فتبدأ الخيبة بالتلاشي، فيما لا تستطيع إطفاء الذاكرة.

*

كان لي في حياة أخرى طفلٌ صغير، هربنا سوياً من حربٍ طويلة، سبع مدنٍ تبعتنا الحرب إليها، وكل ليلة يبلل سريره، حين غادرنا آخر المدن لم نكن على عجلة، لم أحمله وإنما سار بقربي، رأى رفيقته في المدرسة يحملها أبوها ويسير بوجهٍ عديم الصوت في شارع بيتنا/ملجئنا، سألني لماذا يحملها ما دمنا – سكان وضيوف المدينة – لسنا على عجلة من أمرنا؟ تظاهرتُ بأنني لم أسمع، وأسرعتُ السير متفادياً أي إشارة لكون شيءٍ غير طبيعي قد حصل، في تلك الليلة لم يبلل طفلي السرير إذ لم ينم، عرفتُ ذلك لأنني لم أنم ولكنني لم أملك الجرأة لأستيقظ وسط هول الأسئلة.

حين استيقظتُ سألني عنها، قلتُ كانت منهكة من كثرة اللعب، فسقطتْ في نومٍ عميق.

*

لويتُ كاحلي عدة مراتٍ إثر انزلاقها في الحفر التي تتركها خطوات القذيفة، أيحسبونني من جرحى الحرب؟ حين يحصون الضحايا، هل تحتسب الأرواح الميتة التي لا تملك فكرة حتى أين تقع أجسادها الآن؟ هل تظهر صور الذين فقدوا رونقهم على الجدران وعواميد الكهرباء؟ أيلتقط الآخرون صوراً لهاماتنا المحنية مبشرين بعضهم البعض بنصرٍ قريب؟

في أحد الأيام الصيفية الجميلة ابتسمتْ لي، وإذ كانت الشمس تزمجر من خلف رأسها، أظلمتْ الدنيا ولم تبقَ سوى ابتسامة تؤنس بصري، من لا يقعون في الحب أكثر عرضةً لثقوب الروح أثناء الحروب، من لا تشغلهم عن هدير الطائرة مخيلاتٌ قليلة التهذيب أكثر عرضة للإصابة بصمم يطالُ نجواهم.

*

هذا الليل هادئٌ كموت، وكأن نيران الظهيرة لم تقتل سوى أصواتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *