منشد الشاطئ

Edvard-Munch---melancholy-(1891---92)-عزيزتي،

أحياناً تخطر لي أفكارٌ مرعبة، ليست مرعبة كأن يرعبني الموت أو الألم، بل كأن يرعبني ما سأكونه، أفكارٌ غريبة لا أعرف مصدرها بالضبط، أتجول بالشك بين كل زوايا الكون، بين كل زوايا دخيلتي، أجري تجاربي على نفسي، غالباً أنتهي باكتشاف جزءٍ آخر من الكون يستطيع تحطيم إنسانٍ، أكتب خاتمة تقريري عن التجربة بيدي المتعبة، وأرتمي على الأرض، أستلقي، وأنام طويلاً لأستريح، قبل التجربة التالية.

غالباً تكونين جزءاً من هذه الأفكار، ولو كشخصية ثانوية تمر في أحداث الكون الموازي الذي أخلق في ظلام إغماضي، أستمتع بالنظر إليكِ بينما أراقب الأمور الفظيعة التي أتخيلها تصيبني، غالباً يكون هناك دماءٌ، أو أي سوائل أخرى قد يطرحها الجسد، أحياناً كنتُ أشرب دمي كي لا ينتهي الدم داخلي وأموت، ودائماً أموت، ثم أعود للمكان، أعود للعالم الممل نفسه، ترحل الفكرة كرمال صحراءٍ، وتبقى قلة قليلة منها داخلي، معظمها يتعلق بكِ، ولا أعرف كيف يمكن لشخصٍ مشع السمات أن يكون مثيراً بهذا القدر للمخيلة، ربما كان عليّ أن أخفف حماستي بشأن شكلك، ذلك سيجعلني أكثر موضوعية في التعامل مع معطياتك الأخرى، وربما يجعل الموضوع أكثر تعقيداً، وأكثر تردداً، ولكنه بالتأكيد سيجعل الحقيقة مفهوماً واضحاً في أذهاننا بخصوص ما يجري.

كنتُ أحدث نفسي في مساءٍ بارد خالٍ من السمر، عن مغنٍ يعشق الغناء، يقتات على اهتزاز حنجرته حين يخرج من تسارع نبضه، لم تعجبه ممارسة الموسيقا تجارياً، فرحل، وذهب ليسكن شاطئاً ما، أغلب الظن في الهند أو الحجاز، حيث يجلس طول النهار على الشاطئ، وينام في كوخٍ صغيرٍ مطل عليه، يصطاد السمك بما يكفي حاجته من الطعام، يقدم له بعض الزوار خبزاً وملحاً، وهو يجمع كل ما تيسر له بعض الأغصان الجافة من الأحراش المجاورة، ليصنع بها ناراً يشوي السمك عليها، كان يعتكف على الشاطئ ليغني. لم يكن يتمرن أو يحاول تأليف شيءٍ ذي أهمية، بل يقضي النهار كله صامتاً، لا يتكلم بأي شيءٍ لأحد، ينتظر صعود الرغبة بالغناء إلى كتفيه، ويغني، يتوافد الزوار كل يوم، ولفترة قصيرة زاد عددهم إلى حد لا معقول، فصار أكثر خجلاً وأقل غناءً، ولم يظل من زواره سوى الصبورين الذي لا يمانعون قضاء أسبوعٍ أو أكثر على الشاطئ بانتظار غنائه.

خطر لي أن أكون هذا المغني نفسه، وفي مرة أخرى خطر لي أن أكون تلميذاً له، وهو يرفض، ويسألني، لماذا يستمر الناس بالتوافد إلى هنا برأيك؟ أجبته أنهم يفعلون ذلك لأنهم يريدون الوصول إلى ما وصلتَ إليه، فيرد علي أنهم بمجرد قدومهم إلى هذا المكان، يثبتون أنهم غير قادرين على التحرك إلى أي مكانٍ يشبه ما وصلتُ إليه، وجدتُ أن الحديث يتطرف ليكون أشد شبهاً بحوار سيدهارتا وبوذا، قاطعت أفكاري، فأنا أحب أن يكون كلامي – حتى الذي يهمس داخلي بعيداً عن شرطة الأدب – أصيلاً، وعاد لي صدىً – كموجات دائرية فوق بركة ماءٍ نائمة – عنكِ، لمحتكِ تجلسين في زاوية بعيدة من الشاطئ، تتفرجين علي بصمتٍ وبابتسامة نصف ساخرة، تسمعين غنائي دون أي انطباعٍ عن رأيكِ به، تفسدين خطتي، تجعلين جزءاً من نشوتي يهرب مني ليبحث بعطشٍ عن شريك.

أسوأ ما أصاب المكان، هو ألا يترك لكَ منفذٌ واحد، فسحة هواءٍ واحدة، عصية على التغيير. الانقلابات أصابت كل شيء، أياً كان ما تفعله ستجد ما يذكرك بالزمن الذي أنتَ فيه، بأرقام السنة، لن يسمحوا لكَ بكل بساطة أن تستلقي، تشغل موسيقاك المفضلة ولا تكترث بأي شيءٍ على الإطلاق، هذه الحرب كطفلٍ صغير مدلل، تافه إلى أقصى الدرجات، لا يسمح لأمه بأن تفكر بشيءٍ سواه، والمزعج بخصوص هذه الفكرة بالذات، أننا سنكون أماً – أو أباً إن استدعت الضرورة – لهذه الحرب المدللة المزعجة.

إن ما بيننا لا يعدو كونه رغبة مشتركة من طرفين – قادرٌ أحدهما على سرقة الكون من الآخر – بتجاهل كل ما يقع خارج الجدران والسقف المنخفض، رغبة ملحة بالهروب بعيداً جداً، إلى داخلنا. أحياناً تراودني رغبة بالكف عن اللقاء بكِ، ومراقبتك من مكانٍ بعيد، حيث أراكِ ولا ترينني، حيث أترك لمخيلتي الحرية المطلقة في رسم الذكريات، وأقسم أنني لن أشكك بعد حينٍ بوجودها، كنتُ أفكر أن كل ما حولي غير موجود، أن كل ما حولي هو مجرد نسخة سيئة الإخراج عن آخرين.

أتجاهل مؤخراً بشكلٍ كبير ساعتي، أخرج كثيراً دون وجودها على معصمي، لقد بتُ قادراً على تحسس عدم جدوى هذا الأمر، محاولات تسجيل مواعيدَ دقيقة لكل شيءٍ بات أمراً ميؤوساً منه، الاعتقاد بأن هناك يوماً ما يختلف أو يكتسب أي أهمية تميزه عن الأيام الأخرى محض هراء، كل شيءٍ هو مجرد شريطٍ مكرور، يعاد كالقيء كل يوم، تلك الأحداث المهمة التي نظن أنها تجعل من يومٍ ما مميزاً، ليست سوى أجهزة تشويش، مهمتها إلهاؤنا لساعة أو ساعتين، وذلك ما يجعل منها مهمة في ظل ثقل اليأس على المكان، أتجاهل ساعتي بشكلٍ كبير، وأفضل أن ألقي نظرة إلى الشمس كل حينٍ لأعرف الجزء الذي يشغله وجودي من النهار.

عيناك تلهيني كثيراً، عن التفكير في الرصاص والانفجارات والقذائف وقوانين الجاذبية التي تصبح أكثر تعقيداً حين اختبار النادرة منها أمامنا، أفكر بعينيكِ فأنجح بتمرير قذيفة دون سماعها، أو أغنية سيئة دون تذكرها، أتمكن أحياناً من تجاوز الارتباك الذي تسببه ذاكرتي الضعيفة، بكل ما فيها من نواقص عن الماضي القريب، وأحوله إلى فقدان ذاكرة كامل، حيث يختفي الماضي بكامله، حيث تبدأ كل الأمور من الصفر.

أرغب أن أترك وحيداً، أن أكتب متى أشاء، أغني متى أشاء، أمارس عادتي السرية وأقرأ كتب الشياطين متى أشاء، أن يكون لي شاطئي، وحيداً عليه، لا مزعجين يزورونني، لا معجبين، لا كارهين، ولا ذات المجموعة من الحمقى التي تبحث عن معلم لما يستحيل تعليمه، أود لو أكون هناك وحدي، دون أحدٍ، وتكونين أنتِ أغنيتي، تؤنسين وحدتي.

دمشق 17/11/2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *