واضحة كعاهرة

لأنها أكثر وضوحاً من تجاهلها، لا بد من اقتحامها كأنطاكية تحت ضربات الصلبان الحمراء، زرّادها خائن، أو ربما مهملٌ أكثر من اللازم، أمر بأصابعي على رمال شهوتها، أداعب جوارحها، الشمس التي لا تغيب أتعبت أجسادها، أنهكتها، أحالتها طيوراً مسالمة تلتقط حبوب القمح المتناثرة من الشاحنات، إلا إنها أكثر وضوحاً الآن، أسوارها لا تشبه عنفوان السرو حين يناطح السماء، كغرسة زيتونٍ هي، كتفاحة تحتضر شبقاً على غصنٍ نحيل، كصولجانٍ يودع محزوناً عرش المملكة.

فراشك صحراء، وجسدك خيمة هابطة، أمر وتداً، وأترك خلفي القماش يعانق الرمال من جديد كما لقيته، أداعب رمالها بأصابعي، أحرك السبابة حيناً، وثم أغرزها، يرتجف فكها الأيمن مقاوماً الرمال، أحلامها الآن بلاطٌ مكسر، ذكرياتها أنبوب هزيل صدئ، لسانها حوت يستجير بشمس الغروب في احتضاره على شاطئ، ألمح فيها لمعاناً، أقطفه كغرابٍ فضولي، وسوائل الجسد العالقة تمرّ من أسراري.

لساني كالماء يأخذ شكل وعائها، ويهمس لها؛ لا ماء يكفي كل هذا العطش، جربي احتساء خيبتي.

أيحدثني نهدها عن كل الهزائم التي لم أرَ، أيصرخ بأسمائهم؟ أيريني حين أمضغه لون السماء كسمائهم؟ أم إنني فتحٌ جديد؟ أيعقل أن يتساوى الزيت والدم؟ أم إنها تعرف أن عليها الصيام شهراً قبل أن تشرب من دمي؟

لأنها أكثر وضوحاً من تجاهلها، لا بد من تجاهلها لتهزم، ولأن العاهرة – التي تبدأ في رحمٍ وتنتهي في آخر – لا تفتح فمها أو ساقيها دون أجر، عليكَ أن تقدم المزيد والمزيد من الأضاحي، عليك أن تصنع من الانهزام للبرد قرباناً، عليكَ أن تحترق كخاروف أو عجل ضعيف على أبوابهم، ائتها من الخلف ما استطعت، لا للمتعة، وإنما لتسجيل النقاط، وفرة النقاط التي ستحققها ستكون متعتك.

أستميحكِ عذراً، ما زلتُ عاجزاً عن توحيد المسافة بين السطور، أوراقي تبدو كتمرينِ إملاءٍ لطفلٍ في العاشرة، لحسن حظي الحاسوب بارع في أداء هذه المهمة، ذلك الشقي الذي يجعل خطي مفهوماً وكلماتي واضحة سهلة النفاذ إلى عقولهم، هل رأيتِ صورتي أثناء تجولك على صفحة جريدة أو مجلة؟ أو على موقعٍ إلكتروني ربما؟ هل سمعتِ باسمي بفضل صديقة حمقاء لا تتقن شيئاً سوى الهندسة الفراغية والقراءة؟ أم لفتكِ مقال كتبته أو نص نشرته وشعرتِ أنه يخاطبك أنتِ بالذات دون مئات القارئات؟ أنا يا صديقتي ما زلتُ حديث العهد بالكتابة، ثمرة لم يملأها الشبق بما يكفي لتنضج، أنا حديث العقد بالكتابة على الأسرّة والشطآن المهجورة، أنا مجرد كاتبٍ مغمور بما تمليه عليه دخيلته من صراخٍ غير مفهوم.

مفتونٌ أنا – والفتنة أشد من القتل زيفاً – بتعرقها، أعب الشوارع معها ليل نهار، أنقعها كحبة عنبٍ تحت الشمس طول النهار، وأنتظر انهيار تعرقها الآزتيكي، أرفع أمام دموعها طبقاً من دمي، وأشتكي – كمتصوفٍ – عجز الأشياء عن اختصار كل المسافات بيننا، تلك التي تمنع الاثنين أن تكون واحداً يزيد بقيمة على الاثنين، الخطوط بين تنفسي وانقباضات رحمها أكثر توازياً من أن تلتقي، أيلتقي طرف جمعٍ بنتائجه قيمةً؟ أم أكون صفراً ونلتقي؟ لن تهب الرياح في الأسبوع المقبل، ربما تهطل بعض الأمطار، ولكن لا ريح على الإطلاق.

“وبكى بكاءً مراً، كطفلٍ تنقصه روح الدعابة.”

–         هل رأيتَ الفاصلة الأخيرة؟ كانت منهكة وشديدة اللهاث، أعتقد أنها معجبة بكَ.

–         لكل شيء أوان، إن آن آن، وإن لم يئن لا يئن.

–         هراء، أنت تعرف أنها تريدك.

–         أعلم، ولكنني لم أنهِ جملتي بعد.