الأرشيف السنوي: 2010

ملابس الميلاد

كانت تجري وتسبق والدتها التي كانت ما تزال تغلق باب السيارة البيضاء، وقفت الطفلة البريئة أمام الباب تقفز كقطةٍ تنتظر قدوم صاحبها، كانت فرحة كأي طفلةٍ بيروتيّة تنتظر عيد الميلاد بشغفٍ بملابسها الجديدة التي اشترتها، وصلت أمها إلى الباب وفتحته ودخلتا إلى المنزل، استمرّت بالسير والقفز بابتهاج حتى وصلت إلى غرفة الجلوس، هنا توقفت عن الابتهاج بسبب وجود والدها وكأس الوسكي والتلفاز أمامه يشاهد عليه برنامجاً عن الجنوب وما حصل فيه من دمار، أخذت تسير بالقرب من الأريكة ورأسها يكاد يعانق الأرض، كان طوال العمر هكذا، كان يخاف على فتياته من الشبان ومن الجميع، كان يخاف عليهن ليس حبّاً بهن، بل لأنهن كانوا يمرّون بمرحلةٍ لم يرها من قبل، كيف لا وقد كانت أمه هي الأنثى الوحيدة التي رآها في طفولته، وعندما كبر كانت الفتاة التي ارتبط بها هي فتاة سوريّة لم يرها إلا قبل مدّة قصيرة من زواجهما، هي الأخرى لم يكن منزلها أقل استبداديّة من منزل زوجها.

لما الرفاعي

ذلك النهار…

كنتُ أسير متجهة إلى أمام مكان عمله منتظرة أن يلاقيني في منتصف الطريق، اتصلت به لأخبره أنني أقترب، قال لي أنه بانتظار صديقة يريد أن يعرفني عليها، تابعت سيري ولم أهتم كثيراً بالأمر، وصلتُ قريباً من عمله… وكان واقفاً هناك مع فتاة نحيلة، متوسطة الطول شقراءَ الشعر، خضراء العينين.

لم أشعر بالغيرة منها فقد كان من الواضح أنها تكبره بالعمر على الأقل بخمس سنوات، اقتربت منهما، طبعتُ قبلة على خده وصافحتها؛ “هذه بانة الأحمر… أخبرتكِ عنها”، نعم بالطبع أخبرني عنها، كان قد حدثني لساعات عنها، تكبره بست سنوات، وناجحة حد التخمة في عملها القانوني. لا بد أنه دعاها ليعرفني بها، ليجعلني أرى أن هناك من هي أكثر نجاحاً مني، ولكن لم أفكر في ألأمر كثيراً حينها.

ميرون

كنا نسير سوياً على رصيف ذلك الطريق السريع حيث لا تستطيع أعين المارة بسياراتهم أن تلتقطنا، لم نكن نفعل ما يعيب ولكننا كنا نحب، وذلك على حد علمنا كان ممنوعاً علينا في الشرق الذي نعيش فيه.

أعرف أنها تقف هناك بجانبي، أعرف أنها تنتظر مني كلمة واحدة، أعرف أنها ليست في مكان بعيد. رأسها على كتفي، يطلب مني المزيد من الحنان، لا أعلم ماذا أفعل، وهي لا تعلم ما هي فاعلة، دون قيود، دون محاولات لحساب المستقبل، رأسٌ على كتفي ويدي عليه تمسّد شعرها، وفجأة تراودني الذكرى البشعة حين دخلتْ الفزاعة حياتي …

كان أبي يحكي لي حينها قصة زواج ابنة عمي وابن عمتي، يصف لي ملامحهما، فأنا نادراً ما أراهما، لا زيارات معلنة بيننا، حين وصف لي المعارضة التي واجهاها، لم يستطيعا التواصل مع العائلة مجدداً حتى وفاة جدي، ولكن حتى التواصل الذي عاد لم يكن بالمستوى المفروض وجوده بين أبناء العمومة.

حين سألته لماذا لم يوافق جدّي وبقية العائلة على ذلك الزوج، كان جوابه بأن السبب هو كونهما أقرباء من الدرجة الثانية.

و حين سألته وماذا في ذلك؟ قال كلمة السر التي أيقظت الفزاعة في داخلي.. حرام.

فولكه

كانت ترى نفسها غريبة، كان الجميع يراها غريبة، فتاة عربية تقطن إحدى أكثر الأحياء الألمانية نازية بصمتٍ، كان الجميع يراها غريبة بلباسها المحتشم، كان الجميع يراها غريبة بلكنتها البطيئة التي غالباً ما تعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة بالألمانية، أو تلفظ الأحرف الألمانية بطريقةٍ ترسم حولها آلاف الأيادي تشير إليها وتقول:” هذه عربية، هذه أجنبية”، من يلمحها من الصعب أن يعلم أنها ليست ألمانية، فهي شقراء الشعر بيضاء البشرةِ، زرقاء العينين يكاد من يراها – سواء أكان ألمانياً أو غير ألماني – يقسم أنها الآرية الأخيرة في أوروبا.

تقيؤ

كنتُ في غرفتي أختبئ منه، أخاف أن يدخل غرفتي ، أن يعلم أنني مازلتُ أتنفس، أن يعلم أنني مازلتُ فتاة، راكعة على الأرض، أرتدي الثوب الأبيض وغطاء الرأس. إذا دخل يكفيني أن أدّعيَ الصلاة فتتأخر المعركة لدقائق، لا أدري إن يصح أن أدعوَها معركة، فالمعركة بين عدوّين، أنا وهو لا يُسمح لنا بأن نكون عدوَين، المعركة بين ندّين، وأنا أبداً لم أكن ندّاً له، أنا لستُ سوى دمية أو كيس ملاكمة بين يديه، كنتُ ربما آلة لأحتواء غضبه، لابتلاع غضبه.

في داخلي شيءٌ من الغضب، في داخلي شيءٌ من الضجر، أحتاج لدميةٍ كي تبتلع غضبي، أحتاج أن أتقيأ بعضاً من الغضب الذي أبتلعه. القاعدة هي أن الذي يبتلع الغضب هو العنصر الأضعف في المعادلة، أبحث في غرفتي عمّا هو أضعف مني.

كرسي… لا، أنا أضعف من كرسي.

وسادة… لا، أنا ألين من وسادة.

علائق، ستائر، ملابس. أنا أضعف من ذلك كله، الخوف حولني إلى قزم، جعلني أصغر وأضعف من كل المخلوقات، من كل الكائنات الحيّة والميتة.

ورقة …