يا قادة العالم: اقرؤوا كارل ماركس!

ترجمة المقال المنشور في صحيفة الإيكونوميست في 5 أيار/مايو 2018 بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس

إن أردنا عنواناً جيداً لسيرة كارل ماركس سيكون “دراسة عن الفشل”. ادعى ماركس أن فهم العالم ليس الغاية الوحيدة من الفلسفة ولكن تحسينه أيضاً. رغم ذلك فإن فلسفته غيرت العالم بشكل كبير نحو الأسوأ: الـ 40% من البشرية الذين عاشوا تحت حكم أنظمة ماركسية لوقت طويل من القرن العشرين عانوا من المجاعات والغولاغ [1] وديكتاتوريات الحزب الواحد. ظن ماركس أن علمه الديالكتيكي [2] سيسمح له بالتنبؤ بالمستقبل بقدر ما سيسمح له بفهم الحاضر. رغم ذلك فشل في استشراف اثنين من أكبر التطورات في القرن العشرين – صعود الفاشية ودولة الرفاه [3] – وآمن مخطئاً أن الشيوعية ستضرب جذورها في أكثر الاقتصادات تقدماً. يعتبر اليوم النظام الوحيد الناجح ذو الشكل الماركسي مجرد ممارس متحمس للرأسمالية (أو “الاشتراكية بسماتٍ صينية”).

مع كل هفواته، يبقى ماركس شخصية بارزة. في الذكرى المئوية الثانية لميلاده، والتي تصادف في الخامس من أيار/مايو، ما زال الاهتمام به حياً كما كان دائماً. جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوربية، يقوم بزيارة ترير، مسقط رأس ماركس، حيث سيكشف الستار عن تمثال لماركس تبرعت به الحكومة الصينية. والمكتبة البريطانية، حيث قام بالبحث اللازم لـ”رأس المال”، تقيم سلسلة من المعارض والمحاضرات. والناشرون ينتجون شلالاتٍ من الكتب عن حياته وأفكاره، من الكتب الضخمة بحجم “رأس المال” (كتاب سفان-إيريك ليدمان “عالم للنصر: حياة وأعمال كارل ماركس” [4])، إلى كتيبات البيان الشيوعي الصغيرة (طبعة ثانية من كتاب بيتر سينغر “ماركس: مقدمة قصيرة جداً” [5]).

ليس أي من هذه الكتب المخصصة للذكرة المئوية السنوية بارزاً. ما زالت المقدمة القصيرة الأفضل هي التي ألفها أشعيا برلين بعنوان “كارل ماركس”، والتي نشرت سنة 1939. ولكن الحجم الهائل للتعليقات على أعمال ماركس دليل على شيء مهم. لماذا ما زال تركيز العالم منصباً على أفكار الرجل الذي ساعد في إنتاج الكثير من المعاناة؟

 

درجة الجنون

السبب الواضح هو القوة الهائلة لهذه الأفكار. ربما لم يكن ماركس العالم الذي ظنه في نفسه، ولكنه كان مفكراً لامعاً: فقد طور نظرية للمجتمع تحركها القوى الاقتصادية – وليس فقط وسائل الإنتاج عبر العلاقة بين المالك والعمال – ومحكومة بالعبور بعدة مراحل من التطور، كما كان كاتباً لامعاً. من يستطيع أن ينسى ملاحظته أن التاريخ يعيد نفسه، “المرة الأولى كمأساة، والثانية كمسرحية هزلية”؟ لقد كانت أفكاره دينية بقدر ما هي علمية – يمكنك حتى أن تدعوها ديناً معاد التغليف لعصر علماني. لقد كان نبياً معاصراً يصف مسيرة الرب على الأرض. السقوط من النعيم مختزلاً في الرأسمالية، ليحصل الإنسان على خلاصه حين تنهض البروليتاريا ضد مضطهديها وتقيم المدينة الشيوعية الفاضلة.

سبب آخر هو قوة شخصيته، ماركس كان بعدة طرق إنساناً سيئاً. أمضى حياته عالة على فريدريك إنجلز. وكان عنصرياً عنيداً فريداً من نوعه، بما في ذلك ما يتعلق بجماعته الخاصة، اليهود، لدرجة أنه حتى في السنوات التالية لـ1910، حين كان التسامح مع التحيزات المماثلة مرتفعاً، شعر محررو رسائله أن من واجبهم مراقبتها. وجعل خادمته حبلى وأرسل الطفل إلى أبوين بالتبني. ميخائيل باكونين وصفه بأنه “طموح ومزهو بنفسه، مماحك، غير متسامح ومستبد… محب للانتقام إلى درجة الجنون”

ولكن اجمع النرجسية مع العبقرية وستحصل على قوة جبارة. لقد آمن أنه محق حتماً، لدرجة أنه اكتشف مفتاحاً لتاريخ امتنع على الفلاسفة السابقين. لقد أصر على تقديم معتقداته أياً كانت العقبات (أو السلطات) الموضوعة في دربه، فكرته عن السعادة كانت “أن تحارب”؛ ومفهومه عن البؤس كان “أن ترضخ”، سمة يشترك فيها مع فريدريك نيشته.

السبب الثالث هو التناقض: إذ يضمن فشل أفكاره الذريع في تغيير العالم نحو الأفضل حياة مديدة لها. بعد موت ماركس في سنة 1883 عمل أتباعه – بالتحديد إنجلز – بجد على تحويل نظرياته إلى نظام مغلق. هذا السعي وراء النقاء احتوى معارك وحشية متطرفة، حيث قاد الماركسي “الحقيقي” المتمردين ومؤيدي التغيير [6] والهراطقة. قاد الأمر في النهاية إلى وحشية الماركسية-اللينينية، بادعائها العصمة عن الخطأ (“الاشتراكية العلمية”)، واستمتاعها بالإبهام (“المادية الديالكتيكية”) وعبادتها للأشخاص (تلك التماثيل الضخمة لماركس ولينين).

انهيار هذه الأورثوذكسية المتحجرة كشفت عن كون ماركس رجلاً أكثر إثارة للاهتمام مما أوحى مفسروه. قناعاته الضخمة كانت استجابة لشكوك ضخمة، ونظرياته الساحقة كانت نتيجة للتقلبات اللانهائية. قبيل نهاية حياته شكك في الكثير من قناعاته المركزية. كان قلقاً من احتمال خطئه بخصوص نزعة معدل الأرباح للانهيار. كما كان محتاراً بسبب حقيقة أن إنكلترا الفيكتورية، بعيداً عن اضطهاد الفقراء، كانت تقدم لهم رفاهية متزايدة.

السبب الرئيسي وراء استمرار الاهتمام بماركس، بكل الأحوال، هو أن أفكاره ذات صلة بالواقع الآن أكثر مما كانت لعقود مرت. إجماع ما بعد الحرب الذي نقل السلطة من رأس المال إلى العمال وأنتج “تكدساً هائلاً” في معايير المعيشة يتلاشى الآن. العولمة ونهوض الاقتصاد الافتراضي [7] ينتجان نسخة من الرأسمالية تبدو أكثر خروجاً عن السيطرة. التدفق العكسي للسلطة من العمال إلى رأس المال بدأ أخيراً ينتج رد فعل شعبي – وأحياناً كثيرة شعبوي. لا عجب أن أكثر كتب الاقتصاد نجاحاً في السنوات الأخيرة هو كتاب توماس بيكيتي “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” [8]، الذي يبدو صدى لعنوان أهم أعمال ماركس ولانشغاله بعدم المساواة.

 

نبي دافوس

جادل ماركس أن الرأسمالية هي في جوهرها نظام ذو نزعة ريعية [9]: أكثر من كونها تنشئ الثروة من لا شيء، كما يحبون أن يتخيلوا، فإن عمل الرأسماليين هو الاستيلاء على ثروات الآخرين. كان ماركس مخطئاً بخصوص الرأسمالية على أرض الواقع: رياديو الأعمال يحققون ثروات هائلة من خلال الحلم بمنتجات جديدة أو طرقٍ جديدة في تنظيم الإنتاج. ولكن لديه وجهة نظرٍ صائبة بخصوص الرأسمالية من ناحية شكلها البيروقراطي. عدد محبط من المدراء اليوم هم موظفون بيروقراطيون أكثر منهم أصحاب ثروات، يستخدمون صيغاً ملائمة لضمان ارتفاع رواتبهم بشكل دائم. إنهم يعملون عن قرب مع حشد متنامي من الآخرين ذوي النزعة الريعية، مثل المستشارين الإداريين (الذي يحلمون بأعذارٍ جديدة للنزعة الريعية)، أعضاء مجالس الإدارات المحترفين (الذي يصلون إلى حيث هم من خلال عدم إغراق القارب) والسياسيين المتقاعدين (الذين يمضون خريف العمر عالة على المؤسسات التي شرعوها يوماً).

الرأسمالية، يصر ماركس، نظام عالمي بطبيعته: “لا بد لها أن تعشش في كل مكان، تستقر في كل مكان، وتؤسس الروابط في كل مكان”. هذا الأمر صحيح اليوم بقدر ما كان صحيحاً في العصر الفيكتوري. أكثر تطورين صادمين في السنوات الثلاثين الأخيرة هما الإزالة المستمرة للحواجز في وجه الحركة الحرة لعناصر الإنتاج – البضائع ورأس المال وإلى حدٍ ما البشر – ونهوض العالم الناشئ [10]. المؤسسات العالمية تزرع راياتها إينما كان ذلك مناسباً، المدراء التنفيذيون غير المقيدين بالحدود السياسية ينتقلون من بلد إلى آخر للسعي وراء المردود. يمكننا تسمية الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، في دافوس في سويسرا، “ماركس كان محقاً”.

رأى ماركس أن الرأسمالية لديها نزعة نحو الاستحواذ، حيث يقود الرأسماليون الناجحون منافسيهم الأضعف نحو التوقف عن العمل تمهيداً لانتزاع أجور الاستحواذ [11]. مجدداً، يبدو هذا وصفاً للعالم التجاري الذي تشكله العولمة والإنترنت. أكبر شركات العالم لا تتسع فحسب في ظروف ثابتة، ولكنها أيضاً تحول عدداً كبيراً من الشركات الأصغر إلى ملحقاتٍ صغيرة بها. يمارس حيتان الاقتصاد الجديد هيمنة غير مسبوقة منذ بارونات المطاط [12] في أمريكا. فيسبوك وغوغل يمتصان ثلثي أرباح الإعلانات على الإنترنت في أمريكا، وأمازون تتحكم بأكثر من 40% من سوق التسوق عبر الإنترنت المثمر في البلاد. في بعض الدول يجري غوغل أكثر من 90% من عمليات البحث على الويب، وليس الوسيط هو الرسالة فقط [13] ولكن المنصة هي السوق أيضاً.

في الرأسمالية كما يراها ماركس أذعن جيش من العمال المؤقتين الذين تنقلوا من عملٍ إلى آخر. خلال ازدهار ما بعد الحرب الطويل بدى ذلك هراء. بعيداً عن عدم امتلاكهم شيئاً ليخسروه سوى قيودهم [14]، عمال العالم – العالم الغني على الأقل – لديهم أعمال آمنة، ومنازل في الضواحي وسلة من الممتلكات. اضطر الماركسيون أمثال هيربيرت ماركوزه على إنكار الرأسمالية بوصفها أنتجت الكثير من الثروة للعمال وليس القليل منها.

مع ذلك يكتسب جدل ماركس مرة أخرى بعداً آنياً. اقتصاد العمولات [15] يمثل قوة معاكسة للعمالة المؤتمتة التي تنتظر استدعاءها، عبر مشرفين إلكترونيين، لتقوم بتوصيل الطعام للناس، وتنظيف منازلهم أو التصرف كسائقيهم. في بريطانيا أسعار المنازل مرتفعة إلى درجة أن الأشخاص دون سن 45 سنة لديهم أمل ضئيل في شرائها. معظم العمال الأمريكيون يقولون أن لديهم فقط بعض مئات الدولارات في البنك. بروليتاريا ماركس تولد من جديد على شكل بريكاريا [16].

مع هذا، يجب ألا نبالغ في رد الاعتبار كثيراً. أخطاء ماركس تفوق كثيراً بصيرته. إصراره على كون الرأسمالية تقود ظروف معيشة العمال إلى الحد الأدنى للمعيشة سخيف. العبقرية في الرأسمالية تكمن في كونها تخفض سعر منتجات المستهلك الاعتيادية: عمال اليوم لديهم قدرة مسهلة للحصول على بضائع كانت تعتبر يوماً رفاهياتٍ خاصة بالطبقة المخملية. البنك الدولية يقول أن عدد البشر الذي يعيشون في “فقر شديد” [17] من 1.85 مليار في 1990 إلى 767 مليون في 2013، وهو رقم يضع تراجع ظروف معيشة العمال الغربيين في سياقه الملائم. إن رؤيا ماركس بخصوص مستقبل بعد-رأسمالي في الوقت نفس مبتذلة وخطيرة: مبتذلة لأنها تقدم صورة بشر يتسكعون في الأنحاء لا أكثر (يصيدون في الصباح، يصيدون السمك بعد الظهيرة، يبنون قلعة في المساء وينتقدون بعد العشاء)؛ وخطير لأنه يقدم رخصة لطليعة تقدس نفسها كي تفرض رؤيتها على الجماهير.

فشل ماركس الأكبر، بكل الأحوال، كانت إساءة تقديره لقوة الإصلاح – قدرة البشر على حل المشاكل الواضحة في الرأسمالية عبر النقاش العقلاني والتسويات. لقد آمن أن التاريخ عربة تتدحرج نحو نهاية محتومة وأن الأفضل للعربة هو أن تتمهل. المصلحون الليبراليون، بما في ذلك ويليم غلادستون، أثبت خطأه بشكل متكرر، فهم لم ينقذوا الرأسمالية من نفسها عبر تقديم إصلاحات طويلة الأمد فقط، ولكن فعلوا ذلك بقوة الإقناع. انتصرت “البنية الفوقية” على “القاعدة”، وانتصرت “القماءة البرلمانية” على “ديكتاتورية البروليتاريا”.

 

لا شيء سوى قيودهم

كان الإصلاح أكثر من الثورة السمة العظمى للتاريخ في العالم المتقدم منذ وفاة ماركس. وسع السياسيون المستنيرون الامتيازات بحيث يكون للناس من الطبقة العاملة حصة في النظام السياسي، وقاموا بتجديد النظام القانوني بحيث يتم تفكيك أو تنظيم الاحتكارات الاقتصادية الكبرى. وأعادوا تشكيل الإدارة الاقتصادية بحيث تصبح الدورات الاقتصادية أكثر سلاسة وتستطيع احتواء نوبات الهلع. البلاد الوحيدة التي تطبق فيها أفكار ماركس كانت أوتوقراطيات متخلفة مثل روسيا والصين.

سؤال اليوم الكبير هو ما إن كانت هذه المنجزات ممكنة التكرار. الانتكاصات في وجه الرأسمالية تزداد – وإن على شكل غضب شعبوي أكثر منه تضامناً بروليتارياً. يثبت المصلحون الليبراليون حتى الآن أنهم أقل شأنا من أسلافهم في ظل كل من تفاعلهم مع الأزمة وقدرتهم على تقديم الحلول، يجب أن يستغلوا الذكرى المئوية الثانية لمولد ماركس ليتعرفوا على أنفسهم من جديد عبر الرجل العظيم – ليس ذلك كي يفهموا الأخطاء الكارثية التي شخصها في النظام فقط، ولكن كي يذكروا أنفسهم بالكارثة التي تنتظرهم إن أخفقوا في مواجهة هذه الأخطاء.

ترجمة: مناف زيتون

*****

هوامش
[1] معسكرات الاعتقال والعمل الإلزامي السوفييتية.
[2] الجدلي
[3] في الاقتصاد السياسي هي الدولة التي تلعب فيها الدولة الدور الأساسي في حماية و توفير الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي لمواطنيها، مثالاً نموذج الدول الاسكندنافية.
[4] A World to Win: The Life and Works of Karl Marx
[5] Marx: A Very Short Introduction
[6] Revisionists
[7] Vitrual Economy
[8] Capital in the Twenty-First Century
[9] Rent-seeking أو النزعة الريعية: وهي الرغبة بجني الأرباح عبر دور الوساطة أو الاستشارة دون أداء أعمال إنتاجية حقيقية.
[10] أو الأسواق الناشئة Emerging Markets
[11] Monopoly Rents وهي الأجور التي تدفعها الشركة المستحوذ عليها للشركة المستحوذة سنوياً مقابل المبلغ المدفوع لإتمام عملية الاستحواذ.
[12] Robber Barons اسم كان يطلق على رجال الأعمال الصناعيين الكبار في أمريكا في القرن التاسع عشر.
[13] في إشارة إلى مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة “الوسيط هو الرسالة”.
[14] مقولة ماركس الشهيرة “ليس لدى العمال ما يخسرونه سوى قيودهم”
[15] Gig Economy وهو الاقتصاد القائم على المستكتبين والمتعاقدين مثل خدمات أوبر وكريم، أو الدفع على القطعة دون توظيف كما هي الحال في الصحافة والتصميم.
[16] مصطلح مشتق من بروليتاريا ويعني الطبقة ذات الوضع الاقتصادي الهش والمهدد (رابط ويكيبيديا)
[17] مقياس البنك الدولي للفقر الشديد هو العيش على على أقل من 1.9 دولار يومياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *