تهديد حياد الشبكة في أمريكا: مقدمة لاختطاف الإنترنت

حياد الشبكة (Net Neutrality)، هو مبدأ يحكم تقديم خدمة الإنترنت في معظم العالم من قبل الحكومات والشركات الخاصة، وتوشك الإدارة الأمريكية في سابقة خطيرة على إلغاء هذا المبدأ، فاتحة الباب عريضاً أمام التحكم بالتصفح والحصول على شتى الخدمات، ووضع عقبات أمام الحصول على الكثير منها، ولا يتعلق الأمر فقط بالتقييد ذو البعد السياسي على استخدام الإنترنت، إنما يمتد إلى أبعادٍ مالية لا يمكن أن نتوقع نتائج إيجابية تترتب عليها، خصوصاً أنها من حيث المبدأ مربحة للكثير من الأطراف، وقد تكون مغرية لاحقاً للمزيد من الحكومات لاتباع خطى الولايات المتحدة، كي تدفع أرقام النمو الاقتصادي.

ما هو حياد الشبكة؟ بعيداً عن التفاصيل التقنية التي لا أحيط بها تماماً، افترض أنك تشاهد فيديو، يتطلب تحميل 100 ميغابايت، مقسمة لأسباب تنظيمية على 10 قطع حجم كل منها 10 ميغابايت، إن كنتَ تشاهد الفيديو على يوتيوب، وفي الوقت نفسه شخص آخر يشاهد فيديو على فيميو، وكذلك هناك شخص آخر يشاهد فيديو على ديلي موشن، فإن مزود خدمة الإنترنت (في حالة سوريا مثلاً “تراسل” و”سوا” و”آية نت”…) ملزمٌ بتقديم معدلٍ متساوٍ من نقل القطع المؤلفة من 10 ميغابايت لجميع المواقع، أو بكلمات أخرى، ملزمٌ بألا يؤثر الموقع أو الخدمة المستخدمة على سرعة نقل البيانات، وبالتالي فإن ذات الحجم من البيانات، بذات سرعة المخدم المستضيف (Hosting Server) وعوامل أخرى، يجب أن يصل إلى المستخدم في ذات المدة.


(بالإنكليزية، فيديو من نيويورك تايمز يشرح بشكل مبسط مبدأ حياد الشبكة)

أصدرت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (Federal Communication Commission) يوم الثلاثاء الماضي (21/11/2016) خطة تسعى إلى إلغاء القوانين الضامنة للمساواة في الوصول إلى الإنترنت، سُنّت هذه القوانين في عهد إدراة باراك أوباما في 2015 في ما اعتبر انتصاراً لحياد الشبكة، وتمنع شركات الاتصالات من تقاضي أجورٍ إضافية لوصول المستخدمين إلى مواقع أو خدماتٍ معينة، تشغيل الفيديوهات عالية الدقة مثلاً، أو إبطاء هذا الوصول أو إيقافه. ما يفتح الباب واسعاً أمام شركات الاتصالات لتدعم المحتوى الذي تنتجه شركاتٌ تملكها أو تساهم في ملكيتها أو تدفع مقابل هذا الدعم، كما يزيد من صعوبة تحقيق الانتشار على المواقع المتوسطة والصغرى، ويضاعف من دور الأموال الإعلانية في اختيار المحتوى الذي يصلنا، الفعال نسبياً حالياً من خلال التغريدات أو المنشورات المدفوعة على فيسبوك وتويتر مثلاً.

ليس مبدأ حيادية الشبكة مهيمناً عالمياً، الكثير من الحكومات تحجب مواقع إلكترونية تتعارض معها سياسياً أو أيديولوجيا أو حتى دينياً، كما حجبت مثلاً خدمات الاتصال الصوتي والمرئي عبر الإنترنت (VoIP) للحفاظ على أرباح شركات الاتصالات الخلوية، كما تحجب الولايات المتحدة والدول الغربية الكثير من خدمات شركاتها عن الدول الواقعة تحت عقوباتها، مثل سوريا وحتى وقتٍ قريب السودان.

خلال الأسابيع الثلاث المقبلة سيتبين مصير هذه الخطة في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، وإن مرت هذه الخطة، فإنها ستكون بداية إلغاء أي قيود على كيفية تقديم الخدمات عبر الإنترنت، والأسوأ أنها ستمتد سريعاً حتماً إلى العديد من الدول، خصوصاً الفقيرة، التي هي بأمس الحاجة لخلق مصدر ربحٍ جديدٍ لاقتصاداتها، وفي الوقت نفسه لا تمانع التعرض للانتقادات بخصوص وضعية حقوق الاتصال في دولها.

هذا الأمر يعني أن الإنترنت بدأ ينقلب علينا، بسبب الثقة المفرطة في أن “لا أحد يملك الإنترنت”، وبسبب الوضعية الحالية للاقتصاد العالمي وشتى الأعمال، التي لا يمكن القيام بها دون الإنترنت، تخيل أن تضطر لدفع المال مقابل تصفح بريدك الإلكتروني أو النشر على شبكات التواصل الاجتماعي، ومع تزايد التوجه نحو تلفزيون الإنترنت، فإن رسوماً إضافية للاشتراك به قد تترتب على المستخدمين لمشاهدة مسلسلاتهم بدقة 1080 مثلاً، وقد تضطر لاستخدام محرك بحث سوى المعتاد لديك لأن منافساً قد حجز سرعات أعلى، أو أن مزود خدمة الإنترنت يملك هذا المنافس بكل بساطة.

الأمر يشبه أن تفرض مزودات خدمة الإنترنت ضريبة على أرباح المواقع والخدمات الإلكترونية، وما دام هناك ما يكفي من الشركات الكبرى التي ستسارع الاستفادة من المساحة الجديدة للتسويق، والضغط في اتجاه تعميم إلغاء حياد الشبكة في شتى الدول، فإنها مسألة وقتٍ قبل أن يصبح ممكناً للمواقع الإلكترونية الصغرى والمتوسطة من الاستمرار، مركزة مصادر المعلومات والأخبار في يد عددٍ أقل (بكثير) من المؤسسات التي تهيمن عليها اليوم.

ألا يمكننا ببساطة عندها التوجه إلى مزود خدمة إنترنت آخر؟ غالباً لا، لسببين، الأول أن الحصة الأكبر من السوق – جغرافياً خصوصاً – تذهب لشركتين أو ثلاث في معظم الدول، وغالباً ستضطر لاتباع خطى منافسيها تفادياً للفجوة الكبرى التي ستحصل في حجم الأرباح المتحققة بين المتنافسين، والثاني أنه لن تكون هناك خيارات أخرى متاحة، وإن توفرت فستكون محدودة وتحت ضغط شركاتٍ كبرى تنمو بسرعة – سواء من مزودي خدمة الإنترنت أو منتجي المحتوى الأجانب الأمريكيين خصوصاً، لن تنجو منه دون الإفلاس أو الرضوخ للأسلوب الجديد أو الاستيلاء.

ماذا يمكننا أن نفعل؟ نراقب، ونسعى بكل ما استطعنا الحفاظ على مبدأ حياد الشبكة، أينما استطعنا أن نضغط، ومنع الشركات الكبرى من الاستيلاء على خيارنا الحر في استخدام الإنترنت، وحصولنا على فرص متساوية في عرض المحتوى الذي ننشئه، دون مزاحمة رأس المال والمال السياسي للأفراد والمدونين والمؤسسات الإعلامية المستقلة منخفضة التمويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *