كردستان أم برزانيستان: تحفظات

اليوم هو يوم كبير بالنسبة للكثير من أكراد العراق والعالم، مع إجراء أول استفتاء تاريخياً على قيام دولة كردية مستقلة، وهو حق مشروع لأي شعب أن يقرر مصيره بنفسه لا أن يقرره الآخرين له، ولكن بعيداً عن فكرة الدولة الكردية بحد ذاتها، وبالتركيز على الاستفتاء الذي يجري اليوم بالذات، هناك العديد من النقاط الإشكالية في هذا الاستفتاء لا بد من النظر إليها، ولا بد للأكراد نفسهم من الاستماع لها بعيداً عن الاتهامات الساذجة المتسرعة بالعنصرية المرفوعة في وجه كل من يعارض الاستفتاء، وأعني هنا الأفراد طبعاً لا الحكومات القمعية التي تعارض الاستفتاء حرصاً على بيتها الداخلي وليس الشعب الكردي، وهي كالآتي:

  • رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، هو بشكل أو بآخر ديكتاتور آخر يحكم الإقليم، فهو رئيسه منذ عام 2005، وكان رئيس جزءٍ منه بعد حرب 1994 الكردية الكردية، في الوقت الحالي برزاني منتهي الولاية الدستورية منذ عامين، ولا يحق له التجديد، ولم تتم إثارة الموضوع بشكل كبير بسبب الهيمنة العسكرية التي له وللبشمركة على الإقليم، وبسبب تزامن انتهاء ولايته مع نهوض تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق، والتي يخوض الأكراد والعراقيون اليوم أواخر المعارك معه، ما يجعل الاستفتاء بشكل أو بآخر في هذا الموعد وسيلة للبرازاني لإنشاء دولة يكون رئيسها إلى الأبد بدلاً من مواجهة واجبه الدستوري في التنحي وإتاحة المجال لانتخابات جديدة، علماً أن رئيس وزراء كردستان العراق الحالي (للمرة الرابعة) نيجيرفان بارازاني، هو ابن أخ مسعود برزاني، وحفيد مصطفى برزاني مؤسس الحزب الكردي الديمقراطي.
  • الجهة التي تنظم الاستفتاء والتي أخرجته إلى النور هي الحزب الديمقراطي، قائد أحد طرفي النزاع الكردي الكردي الذي أدى لانقسام الإقليم لفترة طويلة، وفي المقابل، فإن الطرف الآخر من هذه الحرب، حزب الاتحاد الكردستاني، كان يؤيد خطة بديلة تقضي بتأجيل الاستفتاء والدخول في مفاوضات مع حكومة بغداد، واضطر أخيراً تحت الضغط الشعبي للموافقة على الاستفتاء وإجرائه في كركوك، أضف لذلك أن عدة كتل برلمانية كردية – غير كافية – قاطعت الجلسة البرلمانية التي أقرت الاستفتاء وتقاطع الاستفتاء اليوم، ما يعني أنه بشكل أو بآخر الاستفتاء مفروض من قبل جهة واحدة تتفرد بالقرار السياسي، وتتجاهل ضرورة الوصول لإجماع وطني في قضية ترسم مستقبل الإقليم للعقود المقبلة.
  • في مؤتمر صحفي اليوم لرئيس الوزراء الكردستاني نيجيرفان برزاني، قال أن “تركيا لن تجد صديقاً أفضل من دولة كردستان”، وهو أمر ليس غريباً، نظراً للتعاون الحاصل مسبقاً بين كردستان العراق وحكومة بغداد من جهة، والحكومة التركية في عمليات الجيش التركي ضد حزب العمال الكردستاني، والتي أدت لمقتل الكثير من المدنيين، ما يعني أن قيام دولة كردية سيحتم عليها بالضرورة التعاون مع تركيا التي تقصف وتقتل الأكراد في تركيا، وتحرض وتقصف قراهم وتدعم المعارضة المسلحة ضدهم في سوريا.
  • حتى الآن، يبدو أن الدولة الوحيدة التي تدعم استقلال كردستان، والتي لها بالفعل علاقات اقتصادية مع الإقليم، هي إسرائيل، دعم لا يبدو أن لدى برزاني مشكلة معه، أو لدى الكثير من الأكراد، وهو ما يتناقض مع الشعارات الرنانة التي يجري الاستفتاء تحتها، إذ يقبلون الدعم والتطبيع مع دولة عنصرية تضطهد ملايين الفلسطينيين، وتهدم بيوتهم، وتمنعهم من العودة إلى وطنهم أو إنشاء دولتهم، تاركةً الكثيرين منهم في وضع مشابه لوضع الأكراد محرومي الجنسية في سوريا مثلاً، أو المعروفين باسم “أجانب الحسكة”.

تعرض الاكراد للاضطاد والتطهير العرقي لعشرات السنين، وليست طموحاتهم بإنشاء دولة كردية نابعة عن حماسٍ قومي بقدر ما هي سعي للأمان والتخلص من الحملات العسكرية والسياسية ضدهم التي ما تفتأ تبرز مع كل اضطرابٍ سياسي في البلاد، ولكن هذا الاستفتاء – برأيي – رغم أهميته التاريخي للأكراد حول العالم، لا يتجاوز استكمالاً لديكتاتورية سياسية في الإقليم، ورفضاً لشراكة الديكتاتورية العربية في نهب وقمع المواطنين العاديين، إضافة لحجم المغامرة وما قد يتعرض له الأقليم من اضطرابات ومواجهات اقتصادية وعسكرية لن تتحمل الطبقة السياسية الحاكمة عواقبها، بقدر ما سيتحمله المواطنين الأكراد، والمكونات الأخرى غير الكردية المعرضة لخطر الاضطهاد – الذي لم يغب تماماً في سوريا والعراق في السنوات الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *