عن ترويضك بترهات “عادات الناجحين”

9 عادات يقدسها الناجحون قبل النوم“، “6 عادات للأشخاص الناجحين“، “9 عادات وأفعال يقوم بها الناجحون والأثرياء بشكل دائم“، وعشرات آلاف المقالات التي يمكنك أن تجدها على الإنترنت بشتى اللغات تحمل عناوين مماثلة، ومعظمها لا تزيد عن كونها ترهاتٍ، فبدايةً نحن لا نعرف ما هو بالضبط النجاح الذي يتكلمون عنه، إن كان المعني به النجاح المهني، فهي تفترض أن لجميع المهن العادات المؤدية للنجاح ذاتها، وهو أمر غير منطقي إن كانت تطلب منك أن تقرأ يومياً وأنت عامل في منجم للنحاس أو لاعب كرة قدم، زد على ذلك الفروق الفردية التي تتجاهلها هذه المقالات، من خلال افتراضها أنك “أنت” عليك أن تتبع هذه العادات كي تنجح، أياً كان القارئ، وأياً كانت كمية وطبيعة إمكانياته، وأياً كانت طبيعة البيئة الاقتصادية والاجتماعية وحتى العائلية المحيطة به.

وإذا تجاهلنا جانب القارئ، فإن هذه المقالات تتجاهل غالباً الأسباب الحقيقية وراء نجاح الكثير من الشخصيات المستخدمة فيها، والتي لا يعود نجاحها غالباً لجهودها أكثر ما هو عائد لجهود موظفيها وفرقها التي يمكنها أن تطرد ببساطة من هذه الشركات دون تغيير كلمةٍ في مقالات عادات النجاح هذه، أو ببساطة لظروف متعلقة بالسوق جاءت لصالحها.

مثلاً لا أحد يذكر أن السبب الحقيقي وراء نجاح شركة مايكروسوفت – ومن ورائها بيل غيتس – يعود ببساطة لضربتها الكبرى في التوفيق بين نظام MS-DOS وأجهزة IBM التي كانت تحتكر حصة كبرى من سوق الحواسيب العالمية، أو إلى الحرب التي تشارك فيها مايكروسوفت – إلى جانب مئات شركات البرمجيات المدفوعة – على البرامج مفتوحة المصدر، وبالتالي الحفاظ على ميزة التوافق (إمكانية إيجاد برامج ملائمة لنظام تشغيلك) في أنظمتها مدفوعة الثمن، مقابل حرمان ملايين المستخدمين من استخدام أنظمة تشغيل وبرمجيات مجانية بسبب مشاكل التوافق.

كما أن هذه المقالات تغفل جزءاً هاماً من الحقيقة، زيادة تمركز الثروة في السنوات الأخيرة، ودخول المزيد من البشر (نسبةً مئوية وعدداً) تحت خط الفقر يومياً، الأمور ستستمر بهذا الاتجاه في العقود المقبلة ما لم تحصل تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي، وبكلماتٍ أخرى، أعداد القادرين على النجاح في هذه البيئة الاقتصادية آخذة بالتناقص كل عام، وأغلب الظن أنك ستكون أحد ضحايا هذا التناقص قريباً، وليس ضحية عاداتك غير المطابقة لعادات الناجحين كما تصور لك هذه المقالات، التي لا تعدو كونها ترويضاً يجعلك تقبل بانعدام العدالة الاقتصادية العالمية والمحلية، وتدفعك للإيمان بأنك المذنب في ما تراه “فشلاً” وعليك تغيير نفسك لتتوافق مع متطلبات أرباب العمل.

والأهم، يفترض بنا كبشر، وليس مجرد خدمٍ يسعون لرضا مؤسسات جني الأموال، أن نبحث عن السعادة، سواء كانت تعني النجاح أم لا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *