أن تكتب: خمسة مصاعب لوجستية

عندما تختار الكتابة، دون بقية الفنون الأخرى، فإنك تختار درباً وعراً، فيه من الإحباط أكثر مما فيه من التشجيع والتفاؤل، خمسة مصاعب “لوجستية” أساسية ستقف في وجه انتشار إنتاجك الفني وحصولك على مقابل معنوي ومادي لائق، وصفتها حسب ما أعرف من تجربتي وتجارب كتابٍ آخرين، ورغم ما ستثيره هذه التدوينة من حفيظة البعض، فإن هناك حقاً لا بد أن يقال.

صعوبة التلقي: قراءة كتابٍ بالتأكيد أصعب أو تتطلب جهداً ووقتاً وتركيزاً أعظم من المطلوب لمشاهدة فيلم أو مسرحية أو لوحة تشكيلية أو الاستماع لأغنية أو مقطوعة موسيقية، كما أن القراءة غالباً تتطب حداً أدنى من التعليم والمفردات التي يستطيع القارئ فهمها، أضف لذلك أن الكتب – إذا استثنينا حالات القرصنة – لا تتوفر غالباً بالمجان، وبشكلٍ ميسر مثل الأفلام والمسرحيات التي تعرض على التلفزيون، أو اللوحات التشكيلية التي يمكنك زيارة معارضها دون أن تضطر لشرائها، أو الأغاني التي يمكنك الاستماع لها على الإنترنت وحتى تحميلها مجاناً إن كان فناناً صاعداً يروج لنفسه، وتوفر كتابٍ بالمجان غالباً يعني أن الكاتب – ومؤسسة النشر – يخسرون أموالاً مقابل كل قارئ مجاني، أو أنه قد مر على وفاة الكاتب خمسون عاماً (تختلف المدة من دولة لأخرى) وأصبحت حقوق ملكية كتبه متاحة للعموم.

صعوبة النقل: ترجمة الأفلام والمسلسلات – بجودة تكفي لمشاهدتها – عملية سهلة نسبياً، ولا تستغرق أكثر من ساعاتٍ عند ظهور حلقةٍ جديدة مثلاً من مسلسل واسع المتابعة، كما أن ترجمة كلمات الأغاني تقريباً غير ضرورية لانتشارها خارج مجتمعها اللغوي، وكذلك الأمر بالنسبة للوحاتِ التشكيلية التي لا تتم حتى ترجمة عناوينها في بعض الأحيان، بالمقابل فإن ترجمة كتابٍ تعتبر عملية مرهقة جداً وتستغرق وقتاً طويلاً ومراجعات كثيرة، ولا تخطو دور النشر نحو ترجمة كتابٍ ما لم ترَ فيه فرصة مبيعاتٍ مرتفعة قبل كل شيء، دون أن يعتمد ذلك بالضرورة على جودة الكتاب.

صعوبة التشكيل: وليس المقصود هنا الوصول الذهني إلى العمل الفني، وإنما الجهد المباشر المطلوب لتشكيله بصورته النهائية، الجهد المطلوب لتأليف كتابٍ لا يقتصر على التأليف، إنما يمتد إلى مراجعة عدة مسودات، وذلك يعني على الأقل قراءة ذات الكتاب عشراتِ المرات وجعل مهمة ملاحظة العيوب أو الأخطاء شبه مستحيلة مع التكرار، إضافة إلى التحرير والتدقيق اللغوي – وإن كان البعض يتجاهل إحدى هاتين العمليتين أو كليهما – اللذين يتطلبان أشخاصاً إضافيين للكاتب نفسه من أجل إظهار الكتاب بأفضل صورة، وغالباً تمتد المدة الزمنية اللازمة لتأليف كتابٍ وجعله جاهزاً للنشر إلى عدة سنوات، زمنٌ لا يمكن أن ينفق على لوحة أو أغنية أو فيلم واحد إلا نادراً ودون أن يعطل إنتاج أعمالٍ أخرى.

رداءة المردود: باستثناء حالات نادرة، يموت معظم الكتاب فقراءً أو يحققون ثرواتٍ محدودة في أواخر حياتهم، ولا يشمل الأمر بعض المحظوظين الذين تتحول كتبهم إلى أفلام أو مسلسلاتٍ أو يفوزون بجوائز مالية كبيرة، ويعود الأمر لضيق جمهور القراءة مقارنة بجمهور الموسيقا مثلاً الذي يشمل كل سكان الأرض تقريباً، وجمهور السينما الذي اتسعت دائرته بشكل هائل منذ بدأ التلفزيون بعرض الأفلام السينمائية، كما يعود إلى التكاليف المرتفعة للطباعة والتوزيع والمشاركة في المعارض (الجوهرية في تنمية المبيعات) والتي تمنع بدورها من كون النشر عملاً رابحاً يجذب رؤوس أموالٍ كبرى إليه، ويمنع دور النشر من تقديم نسبٍ مرتفعة للمؤلف من مبيعاتِ كتبه، أضف لذلك أن أغلب الكتب التي تحقق انتشاراً واسعاً سوف تتعرض للقرصنة بطبيعة الحال.

مشقة التطوير: يحتاج الكاتب كي يطور نفسه أولاً أن يقرأ الكثير من الكتب، إضافة إلى الكتابة كثيراً والتخلص من الكثير من مسودات النصوص الفاشلة على سبيل التمرين، ما يستغرق الكثير من الزمن الذي لا يتوفر غالباً للكتاب غير القادرين على التفرغ للكتابة بسبب رداءة مردودها، كما يتطلب تركيزاً يفتقد له الكثير من الكتاب الذين يعملون في مهن كتابية أخرى لجني دخلٍ ثابت، كالصحافة أو الترجمة أو التحرير، كما يتطلب الحصول على الكتب بسهولة بما يكفي ليتجول الكاتب حراً بين الكتب التي يقرأ تكاليف مادية مرتفعة قياساً للأجور في الكثير من الدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *