مادلين… ساقية الضباب

St.Mary-Magdalene-by-Pietro-Perugino.

من الأمور المثيرة للسخرية أي عالم نبني في رؤوسنا، وكم نؤمن أنه حقيقي رغم إدراكنا التام لضآلة ما نعرفه عنه، وكذلك من الأمور المثيرة للسخرية أي شفقة تنتابني بخصوصكِ الآن بدلاً من مشاعر الحنق التي يفترض أن أشعر بها نحوكِ، ولا أعني شفقة المنتصر، فلا انتصارات في حربنا التي لا تندلع سوى في البيانات الحماسية، كل ما في المسألة أنكِ كنتِ طفلة دنيئة أنتِ الأخرى، أردتِ الحصول على كل شيء، والآن أسحب أول الأشياء لتنهار البقية خلفها.

يبدو جلياً الآن أنني لم أكن مغامرتكِ الوحيدة خارج قفص الخيبات اليومية، وأن كلماتي التي أردد على مسمعكِ، صدى – أشد أناقة وأحق بالتقدير – لأصوات الآخرين، وبين حرصي على نصاعة صورتكِ وخوفي من وقوع حجرة الطوب الأخيرة في جدار ماضيَ، كنتُ أحمقاً من الدرجة الأولى، أعاتب نفسي إن عنفتكِ، أنهرني إن خطر لي صفعكِ عشرات المرات غير آبهٍ بتشققات عنقكِ الذي أحببتُ طويلاً، ولكن المسألة دنيئة، وأحاديثكما البذيئة والساذجة لن تتغير – كأي جزءٍ من الماضي – بمجرد مرور الزمن، تلك التي ترددان فيها أحاديثنا الصدئة أو التي تلعبان فيها كنساءٍ أو خصيان لعبة الدراما العتيقة، المسألة خرجتْ من يدي ويدكِ، وباتت رهن إشارة ذلك العجز في الزمن الذي ندعوه الندم.

تسع سنواتٍ عرفتكِ فيها، أخفاكِ قفص القبيلة عني بعض السنين، ورماكِ بين ذراعيّ في بعضها، ولكني حين أنظر إلى كل هذا الزمن الذي مر كقطارٍ طويل، لا أصدق أي إنسانٍ صرتُ وأي إنسانٍ ما زلتِ عليه، وأي ترنح شغلته به بين الأقفاص كفأرٍ خجول، أي سماواتٍ تبتلع مخيلتي، وأي أسقف وأغطية خشبية تزين زنزانتك، تسع سنواتٍ وأنتِ كشبحٍ تخيمين على حكاياتي، وأحياناً تتركين ظلاً صغيراً بالكاد يلاحظ على زواية أو نافذة. تسع سنوات وأنا أتنقل كجندبٍ؛ حافة الموت، حافة الحياة، السجن، الرواية الأولى، الرواية الثانية، سريري الأول، حافة الموت من جديد، حافة الحياة متمزقة كقشرة تين، الرواية الثالثة، وأنتِ… يوم واحد يتكرر كمشهدٍ رتيب لتسع سنواتٍ كاملة، وكل مرة يزداد بهوتاً وتملؤه الرقع الملونة التي تدعينها عملاً، أو سرداباً ضيقاً نحو الحياة، أو حباً، أو البداية الجديدة العاشرة بعد الألف.

إنني أحب – كما جرت العادة – سواكِ، وفي الليالي الموحشة أتأمل طويلاً مبتلعاً الطمأنينة من المساحات بديعة اللون في عيون سواكِ، وأنا نفسي سواي؛ أكتب على أوراقٍ دون هوامش مؤخراً، لا أدري إن كان التخلي عن الهوامش هو سبب نفضك كغبار مدينة أهجرها، أم إنني أبالغ في المكابرة وليس هروبي من الهوامش سوى إخفاءٌ لما قد يحرض الذكرى.

في السِفْر الذي تعرفين، قلتُ أنني أقتلك على الورق، أحاول على الأقل… الآن أمرر سكيني بين الخيبة الأولى والأخيرة كوريد ووريد، أمرر كلماتي كالسم في دمكِ، وليس قتلي لكِ – على الورق – حقداً أو كراهية أكثر منه قتلاً رحيماً، أتابع جسدك يذبل كجذع شجرة، والتجاعيد تستعمر كطحلبٍ ذكرياتي على هذا الوجه، لزمنٍ طويل أبقيتكِ على قمة ترتيبي للجميلات، الآن؛ أتمنى لو قررتُ هذه المرة بالذات الاستسلام، لو تركتكِ في رأسي ابنة التاسعة عشرة، لكنتِ حتى الآن في قمة هذا الترتيب، لبقيتِ كأخرياتٍ شابة إلى الأبد، نضرة يتجمع ندى ابتسامتي عليكِ كل صباح، لما اضطررتُ لمشاهدتك امرأة-خزانة كجميع النساء-الخزانات اللواتي لا يكف شرقنا المجذوم عن صناعتهن، أنتِ الآن أخرى يفصل بيني وبينها نهر، وعلى ضفتي – التي تشرق الشمس منها – لا يسعني سوى التلويح لظلال وجهكِ كل حين.

خلف الجبال الخضراء، كانت الشمس تتسرب كلصٍ، وكجبلٍ أذعرتني إذ مرت بقربي ولمستُ طرف ثوبها، خلدتُ إلى النوم مملوءاً برغبة بلقائكِ، وفي الظهيرة – استيقظتُ مملوءاً برغبة بوداعكِ، لم آتِ سوى لأسأل هل انتهينا؟ لم أحتج أن أقطع كل هذه المسافة لأعرف الإجابة، ولم أؤجل لقاءنا سوى تأجيلاً لوداعنا.

قيل لي لا تكتب رسائل للآخرين، كلمهم… فحين تتكلم تكون لطيفاً، أما الكتابة؟ السماء فقط تعرف أي روحٍ مظلمة تسكب على هذا الورق، قد يبدو إنذار الإخلاء هذا متخماً بالانفعالات والحزن… ألخ، ولكنه يبدو لي هادئاً، كصباح العطلة هذا، حتى إنني حضرتُ وجبة خفيفة أثناء كتابة نصه.

فيما ألوح لبقيتكِ، تطوف شفاهكِ كفراشة إلى الأبد.

من إنسانٍ آخر لا أكثر… أطيب أمنياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *