بماذا يؤمن المسيحيون؟

ظهر منذ فترة مقطع مصور لإمام جامع الرازي في مدينة دمشق يشرح الإيمان المسيحي للمصلين، ونالته الكثير من الانتقادات بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها، خصوصاً في ما يخص الطوائف المسيحية، وتلى انتشار ذلك المقطع المصور طرد الإمام من عمله.

سأحاول في هذه التدوينة تقديم شرح مبسط (جداً) لأساسيات الإيمان المسيحي المشتركة بين الطوائف المسيحية، على الأقل بصورتها الأساسية (أورثوذكسية، كاثوليكية، بروتستانتية)، وسأقوم بذلك عن طريق تقديم معظم عبارات نص ما يعرف بأ”قانون الإيمان” الذي يردده المسيحيون في القداس الإلهي (تقريباً الصلاة الأسبوعية، النظير غير المطابق لصلاة الجمعة عند المسلمين)، ولا بد من الإشارة إلى عدة نقاط قبل البدء:

  • هذا الإيمان لم يتبلور بهذا الشكل سوى بعد مجمع نيقية المعقود سنة 325 ميلادي بأمر من الإمبراطور الروماني قسطنطين، والذي تم فيه التصويت على أسس الإيمان المسيحي والأسفار القانونية أو ما يشكل اليوم الإنجيل أو العهد الجديد من الكتاب المقدس.
  • لا توجد في المسيحية وحدة لغوية إلزامية في قراءة النصوص المقدسة كما هي الحال في الإسلام واليهودية، ما قد يتسبب أحياناً بسوء فهم بعض العبارات نظراً للاختلاف في الترجمة (عن اليونانية غالباً) وتعدد الترجمات، للمزيد راجع مقالتي في رصيف22 عن الترجمات العربية للكتاب المقدس.
  • لفهم أعمق للمسيحية لا بد من معاملتها مثل الهندوسية أو البوذية أو الشنتو، أي كمجموعة عبادات وعقائد تجتمع على أساسيات وتختلف على الكثير من التفاصيل والطقوس، وهي الحالة التي كانت أوضح قبل مجمع نيقية.
  • هناك عدة أشكال أو ترجمات لقانون الإيمان المسيحي، لم ألتزم بواحد منها إنما اخترت العبارات الأقرب لما اعتدت عليه في طفولتي، يمكن قراءة نسختين من هذا النص هنا و هنا، أما مصدر فهم هذا النص فهو قائم على التعليم الديني الذي تلقيته في كل من دير الآباء السالزيان في دمشق (أو المعروفة باسم دون بوسكو) وحركة الشبيبة الأورثوذكسية المعروفة باسم مدارس الأحد الأورثوذكسية في سوريا.

 

نؤمن بإله واحد.

من حيث المبدأ، فإن المسيحية ديانة توحيدية، تعبد إلهاً واحداً لا يوجد سواه، كما هي الحال في الإسلام، ويشار له باسم الله في النصوص المسيحية العربية.

 

آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى.

أي: نؤمن بإله واحد (مؤلف من) آب ضابط الكل، في المسيحية يتألف الإله من ثلاثة أقانيم أو سمها أوجهاً لتسهيل الفهم، أولها هو الآب، ضابط كل شيء (بما في ذلك الابن والروح القدس)، وهو المسؤول عن خلق كل شيء بما في ذلك الأشياء التي لا نراها، في الحياة الدنيا أو الآخرة.

 

وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

لتفسير الفرق بين “إله” و”رب” لا بد من الدخول في تفاسير لاهوتية لا أثق في قدرتي على إيصالها بدقة، ولكن من حيث المبدأ، يسوع المسيح هو – قبل تجسده – ابن الله، ولتفادي سوء فهم هذه العبارة على أنها تعني إلهاً ولد إلهاً آخراً، استبدل كلمة “ابن” بكلمة “يد” أو “ذراع”، أو باختصار ابن الله تعني تقريباً “ذلك الأقنوم من الله المدعو ابناً”، والمولود من الآب قبل كل الدهور، أي أن ولادته سابقة على عملية الخلق التي بها ظهر مبدأ الزمن أو الدهور، ومساوٍ للآب في الجوهر تعني أنه – إضافة إلى الروح القدس – لا يقل مرتبة عن الآب أو يتبعه لكونهما أساساً جزءاً من كلٍ واحد، وهو مولود من الآب، على عكس البشر المخلوقين.

 

والذي به كان كل شيء.

أي الذي بدأت بولادته الحكاية الكبرى التي أدت لاحقاً للخلق وشتى الأحداث اللاهوتية التي تؤمن بها المسيحية، وتنتهي بيوم الدينونة.

 

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصار إنساناً.

وهنا يكمن صلب الإيمان المسيحي، القائم على الاتحاد بين الإلهي والبشري في شخص يسوع المسيح، عبر وسيطين، الروح القدس المسؤول عن انتقال الجانب الإلهي، ومريم العذراء التي منحته جسده وحبلت به بلا دنس (دون ممارسة الجنس)، والتجسد هنا هو لأقنوم الابن فقط، إذ يخاطب المسيح في عدة مناسبات كل من الآب والروح القدس.

 

وصُلب عنا على عهد بيلاطس النبطي، وتألم ومات وقُبر وقام في اليوم الثالث على ما (أو كما) في الكتب.

ليس واضحاً مما يخلص المسيح البشر بصلبه وموته، ولكن هناك تفسيران لا بد من الإشارة إليهما، الأول أنه جاء ليخلصنا من عواقب الخطيئة الأصلية، أي خطيئة آدم وحواء حين أكلوا من شجرة المعرفة، والآخر أنه ليخلصنا من عواقب خطايانا نحن عن طريق تحمله العقاب أو جزءاً منه، وهناك تفسير ثالث وصلني من أحد الآباء دون التحقق من وجود تفاسير قديمة تدعمه يقول أنه جاء ليخلصنا من خطايا الآخرين عبر التعديلات التي ستصيب سلوكهم، “ومات وقبر” هي تأكيد على أنه مات بطبيعته الثنائية وليس جسده أو طبيعته البشرية فقط، على ما في الكتب لا تعني أنه كما وصلنا من الكتب كما يفهم، وإنما تحقيقاً لما ذكرته الكتب (اليهودية) من نبوءات بخصوص قدوم المسيح (أو المسيا) المنتظر، وهو جزء آخر مهم من الإيمان المسيحي، من حيث ارتباطه بتحقيق النبوءات الكثيرة الموجودة في التوراة اليهودية، وكونه المخلص المنتظر.

 

وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وأيضاً يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه.

وصعد إلى السماء هي إشارة إلى ما يذكره الإنجيل عن صعود المسيح بعد قيامته بأربعين يوماً إلى السماء بجسده، بحضور تلاميذه الأحد عشر (لم يكن قد انتخب بديل ليهوذا الذي خانه بعد)، وجلس عن يمين الآب، وهو موقع الابن الدائم في ملكوت السماء المذكور في كثير من النصوص والصلوات المسيحية.

 

وبالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب (والابن)، يُسجد له ويمجد، الناطق بالأنبياء والرسل.

الأقنوم الثالث من الإله، وهو الروح القدس (أو الروح، أو الروح المقدسة)، المنبثق أي بآلية مختلفة عن ولادة الابن وخلق البشر، وهناك خلاف بين الطوائف الشرقية والغربية على كونه منبثق من الآب فقط أم من الآب والابن، وهو خلاف لاهوتي نظري في معظمه لا ينعكس على التشريعات والطقوس نحن في غنىً عن الحديث عنه، ولكنه باختصار يقوم بشكل أساسي على مفهوم الزمن وإمكانية تزامن أو تتالي ولادة الابن وانبثاق الروح القدس، يُسجد له ويمجد، أي أنه ليس مجرد مرسال من الله كما هي حال الملائكة والأنبياء، إنما هو أقنوم وإله يسجد له ويمجد كما هو الآب والابن، الناطق بالأنبياء والرسل، وذلك يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الأسفار المقدسة، أي الكتاب المقدس بعهديه القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل)، كُتبت بوحي من الروح القدس أياً كان الإنسان الذي دونها، ويظهر الروح القدس في كثير من الأيقونات على شكل إنسان يهمس في أذن الإنجيليين الأربعة (متى، لوقا، مرقس، يوحنا).

 

وبكنيسة واحدة، جامعة مقدسة رسولية.

رسولية أي أنها امتداد للتقاليد التي أسسها الرسل، وهنا لا بد من التمييز في المصطلحات بين المسيحية والإسلام، في اللغة العربية على الأقل، الأنبياء هم كل من سبقوا المسيح ممن قدموا أو تلقوا نبوءات بخصوص قدومه في العهد القديم (إيمان يهودي)، وآخرهم يوحنا المعمدان (الذي لا تستخدم مع اسمه كلمة قديس أو لاحقة “مار” ولا يؤمن به اليهود بالطبع)، والرسل هم أتباع المسيح الأكثر قرباً، وعددهم اثنا عشر، وتطلق أيضاً على من انتخبوا ليخلفوهم في العصور الأولى من المسيحية مثل بولس الرسول، والتلاميذ تشير إما لدائرة أوسع محيطة بالمسيح مؤلفة من 72 شخصاً أو بجميع من تبعه أثناء حياته.

 

ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا.

أي تكريس طقس المعمودية – الذي بدأ مع يوحنا المعمدان والمسيح نفسه في نهر الأردن – كشرط أساسي للانضمام للجماعة المسيحية والإيمان المذكور في هذا النص، والحصول على الخلاص ومغفرة الخطايا.

 

ونترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين.

أي الإيمان بيوم الدينونة وحساب البشر سواء الأحياء أو الأموات الذين يعودون من الموت في هذا اليوم حسب أفعالهم في حياتهم، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المسيحيين لا يؤمنون بتوجه الإنسان فور وفاته إلى ملكوت السماء، إنما بـ”الرقاد على رجاء القيامة” بانتظار يوم الدينونة، لذلك لا يحبذ شديدو الإيمان من المسيحيين مظاهر الحزن على الموتى.

 

 

الانقسامات

موضوع من الصعوبة بمكان الإحاطة به، ولكن لتوضيحه فإن أسبابه التاريخية – بغض النظر عما تقوله هذه الطائفة أو تلك – هي أسباب سياسية، بدأت بانفاصل الكنيسة الأورثوذكسية (مستقيمة الرأي) عن الكاثوليكية (المسكونية أو التي تشمل كل العالم) إثر انقسام سياسي سابق في الدولة الرومانية إثر وفاة الإمبراطور ثيودوس الأول سنة 395 م لدولتين، واحدة مركزها روما والأخرى مركزها قسطنطينة (أو بيزنطة أو اسطنبول)، والتي أدت لقطيعة طويلة بين الكنائس التي وقعت في كل من الدولتين الرومانية والبيزنطية مع تبعية اسمية لكنيسة روما، ولم يصبح الانقسام رسمياً إلا حين طلب البابا ليو التاسع أن يتبعه بطاركة اليونان وأن يضيف كلمة الابن إلى عبارة “منبثق من الآب” في قانون الإيمان المسيحي، ما جعل الكنائس الشرقية تنهي تبعيتها الاسمية للفاتيكان، أما البروتستانتية، فكانت انشقاقاً عن الفاتيكان بدأ على يد مارتن لوثر في القرن السادس عشر، ومنها تفرعت الكثير من الكنائس والمذاهب أيضاً، أشهرها الكنيسة الأنجليكانية في إنكلترا.

لكن هذه الطوائف الثلاث الرئيسية وحتى تقريباً جميع التفرعات الخارجة عنها، تستخدم ذات النص الإنجيلي، عكس الفكرة الشائعة لدى البعض بأن المسيحيين غير متفقين على النص الإنجيلي، وتقوم بأداء العديد من الطقوس الموحدة، على رأسها التعميد كشرط ليعتبر الإنسان مسيحياً والإفخارستيا (تناول الخبز والخمر رمزاً لجسد ودم المسيح).

نهايةً لا بد من الإشارة إلى أن الأسلوب الأفضل لفهم الإيمان المسيحية هو بقراءة الكتب وليس المقالات على الإنترنت، خصوصاً الإنجيل وتفسيرات الآباء الأوائل في المسيحية، وأن المصطلحات أو العبارات قد تختلف في كثير من المواضع نظراً لانعدام الوحدة اللغوية كما ذكرتُ سابقاً، كما يمكن أن تفوتني بعض “التحديثات” في المواقف الكنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *