جميع النساء

أهيئ روحي للرحيل في أي ساعة، أجهز حقيبتها وزاد الطريق وأوراقها الثبوتية، أخفيها تحت الأريكة، فإن رحلت تزحف نحو الحقيبة وتخطفها لتتسرب من شقوق النافذة.

تفيض رحيقاً فيتضاعف عطشي، تحتلني غربة، باردة كموت، أدفئ أنفي وفمي، وأبحث خلسة عن رائحتي على السرير، لا أجدها، بلا رائحة أنا وبلا ظل، مجرد صدفة ترتد منذ الأزل بين الجدران والأزقة الباسقة، أعالجها بيدي التي ترتجف لكل دفقة من جدولها، أعانقها، أخبئ نفسي خلفها، ما الذي يحصل؟ اعذريني، أسألكَ ما الذي يحصل؟ لا أدري، كلانا طفلٌ ضائعٌ وجد مهرجاناً من الحلوى المجانية، لا تفكري، كلانا نرمي بأنفسنا في وحلٍ زلق، سنصدم رغماً عنا بعض الجدران في طريقنا إلى المخرج، سنزحف – أقول لكِ – عطشاً للنجاة من انفجار الدماء في رئتينا والانحلال ثم التسرب مهلاً من رؤوس أصابعنا، كطين جافٍ يواجه الرياح.

شعرها يغمرني كأشباح، ألامسه بباطن يدي، أجذبه لأذكر نفسي بوجهها، بعد أن قضتْ زمناً تسرق صور الأخريات من باطني، أعيد الشعر إلى مجراه، وأستقبل كهضبة انهمارها بتؤدة على عنقي.

جسدي معبدٌ مهجور، أقدمه مجاناً للمشردين الباحثين عن سقفٍ صلب، أقبل بزيارات قصيرة يتركن أثناءها متاعهن وأعباءهن الثقيلة في ساحته، البعض يؤدين الصلاة، والأخريات يكتفين بتحريك رأسهن للتحية لا أكثر. لا مهمة لي سوى مراقبة الغروب والشروق كل يوم، وبينهما أمضي الوقت باشتهاء جميع أجساد النساء، أتقلب تحت اندفاعي، أسارع للاختباء من الصور التي تسكن الجدران حولي، أكان ضرورياً أن تكون أجساد النساء بهذا الجمال؟

تضغط الرأس على الكتف، تضغط الشفاه على الشفاه، ما الجنس سوى التململ من استحالة الوحدة بين الأجساد؟

كانت عيناها خضراوين، أو زرقاوين ربما، يصعب التخمين من المسافة التي أكنتُ أراقبها منها، كانت تطل على شرفة المنزل. صديقي نجح بخداعي وأخبرني أنها حبيبته وتطل من الشرفة لتراه، غالباً كنا نراها بعد الخروج من المدرسة، كانت في البناء المجاور لبنائنا، ولكن مهما مططتُ جسدي الضئيل من سور شرفتنا لم أستطع أن أشاهد شرفتها. بعد حينٍ اختفت، كفت عن الظهور، ولكن أعجبتني الحكاية، ورحتُ أحكي عنها لأي كان من يمر معي قرب شرفتها، كانت كبيرة في السن، ربما في العشرين، ربما في الأربعين، في سن العاشرة تنقسم جميع الإناث إلى أطفالٍ ونساء.

تحت ضغط يدي وشفاهي، تتنهد اسمي، أبتسم، أدرك أنها تناديني باسمي للمرة الأولى، وأي جنونٍ يدور بين هذه الجدران.

أخاف السكنى في مدينة لا أصادف فيها وجوهاً مألوفة، أبحث عنها، ورغم أنني سأتفادى إلقاء التحية على معظمها، أسعد برؤيتها. لا أتذكر متى كانت آخر مرة نمتُ فيها لأسبوعٍ كامل في نفس المنزل، بقيتُ هنا ترفاً بالاستقرار، غيرتُ ما غيرتُ من الأمور ناشداً الاستقرار، والنتيجة أن صرتُ وحقيبتي مجذوماً بتنقل حاملاً سريريه أينما ارتحل، يبحث عن وجوهٍ يعرفها قد لا يفزعها الجذام.

تتأمل مظهرها بعد كل الرحى الذي جرى على تقاسيمها، تخبرني أني تركتُ علامة على عنقها، أرد بأنني بتُ أفضل ترك توقيعٍ على أعمالي كي لا تسرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *