سعيد الحظ

ذات الشارع. ذات الخواء.

سرتُ في هذا الشارع خالياً مئات المرات، آلاف المرات، الله وحده يعرف كم من المرات مشيتُ هنا وحيداً، الفرق الوحيد أنني أعجز عن التنفس بعمقٍ الآن، أو ربما هي رطوبة الشارع بعد المطر الكثيف تشاكس أنفي. طفل في الرابعة عشرة، أستيقظ كل يومٍ في الخامسة والنصف صباحاً، كل يوم، أتجهز وأنطلق إلى مدرستي في السادسة، لأصل في السادسة والنصف، قبل نصف ساعة – أو أربعين دقيقة – من الساعة السابعة، موعد بدء الحصص الدراسية.

منذ المدرسة الإعدادية والثانوية، حين انتقلت خطتي التعليمية إلى مرحلة أكثر جدية، وارتدتُ مدارس دمشق مغادراً المنزل أبكر بساعة مما اعتدتُ عليه، أسير في هذا الطريق كل يوم، أحياناً مع محمد، وأحياناً كثيرة وحيداً تماماً لا أحد سواي في الشارع، بانتظار ميكروباص وحيدٍ مثلي يقلني إلى مدرستي حيث أصطف مع أصدقائي ويصطف هو مع الميكروباصات الأخرى، أحياناً كنتُ أخاف أن أركبه إن كان خالياً، ليس دائماً، ولكن أحياناً كثيرة كنتُ جباناً في وجه كل هذا الخواء. وهائنذا! بعد ثلاثة عشر عاماً، أمر منه في الخامسة والنصف صباحاً عائداً إلى المنزل، الهدنة ما زالت فعالة والهدوء يعم المكان، يمر ميكروباص خالياً، أراقبه بريبة وصوت الموسيقا المنخفضة يتردد في أذني، أخاف أن أنظر إلى عيني السائق، مر من قربي وحشٌ معدني لا إنسان يقوده، مرر لسانه على شفتيه بانتظار التهامي، وأنا انحرفتُ مبتعداً، لقد ولّ ذلك الزمان، الآن أعود إلى منزلي في الصباح الباكر بدل مغادرته، تابع طريقه بتمهل، وأنا أكظم أنفي كي يكف عن ابتلاع رطوبة الأرصفة.

**

ذات الشارع، ذات الخواء.

غالباً يكون أول كائن حي يقع بصري عليه تحت نور الصباح حمامة، لا حمامة معينة، إنما حمامة بشكل عام، تتريض على حافة نافذتي، أو تتمشى ذهاباً وإياباً في مدخل بناء صديقي تتفكر أين ستقضي نهارها اليوم.

قال لي صديق يوم أمس: مشكلتك أنك تؤمن بالصحافة. على العكس تماماً، مشكلتي هي أنني ما عدتُ قادراً على الإيمان بأي شيءٍ على الإطلاق، ولكنني أتصرف كما يفعل المؤمنون بالترهات التي أمارسها، ربما أبالغ في لعب الدور أحياناً. قد لا أكون طاعناً في السن بالقدر الذي أعتقده، ولكن يمكنني القول أن بعض الأمور تغيرت ولا بد، حين كنتُ شاباً – قياساً لحاضري – ترددتُ كثيراً قبل قول الكثير من الكلام، ومع تكرار العملية يموت الإحساس في أطراف الأصابع، عقلي يجري الحسابات، وأنا أقول ما يجب أن يقال حين يبلغني، دون أن أعرف بالفعل معنى ما قلته للتو.

**

ذات الشارع، ذات الخواء.

يوم أمس، في مثل هذا الصباح كنتُ أطرد إنساناً آخر من حياتي، منذ اكتشفتُ أن هناك طريقة معقولة للانفصال عن البشر دون أن أكون على علاقة حب معهم، وأنا أطرد البشر بالجملة، بمشاعر باردة وانتباهٍ محدود للعملية، مثل ما أقوم بتصفية الحسابات التي أتابعها على تويتر أو رمي مسودات النصوص التي أجهضت سابقاً.

واليوم، أجلس وحيداً تماماً، أمر بالشارع ذاته، بالخواء ذاته، وهذه المرة الميكروباص مركونٌ قرب الجامع، خالياً، وناقل السرعة الذي ينبت كثعبانٍ من تحت مقعد السائق يلتمع تحت دفقات الشمس الهزيلة التي تندفع في الشوارع، أقف على رؤوس أصابعي وأتأمل أرضيته، أبحث بنظري عن نقود معدنية من تلك التي تسقط باستمرار ويجدها سعيد حظٍ في وقتٍ لاحق، أحياناً أكون سعيد الحظ هذا، ولكن… ليس اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *