وثائق بنما: فضيحة غير قانونية

pnmpprs

باستثناء الحجم الهائل للوثائق وعمليات غسل الأموال المكشوفة عبر الوثائق المسربة من شركة موساك فونسيكا البنمية، أو ما يعرف الآن بوثائق بنما، فإن طبيعة العمليات المستخدمة لغسيل الأموال غير الشرعية والتهرب الضريبي هي أمر معروف، بمعنى آخر، هذه الوثائق لم تكشف أساليب جديدة للقيام بهذه العمليات، إنما قامت بكشف ما كان قانون الجنان الضريبية يمنع كشفه لا أكثر، ولكن هناك ثلاث حقائق تكشفها هذه الوثائق تجعل العالم الذي نعيش فيه أوضح الآن، وأقبح بكثير مما كنا نتخيل.

سهولة العملية

شركة موساك فونسيكا المسؤولة عن تنفيذ عمليات تبييض الأموال، والتي تتألف بالمجل من 551 موظفاً فقط، قامت بإنشاء 210,000 شركة خلال أربعين عاماً، أي بمعدل 437.5 شركة شهرياً، والأسوأ أن المسؤولية القانونية على الشركة في بلدها (بنما) وفي الدول (الجنان الضريبية) التي تدير استثمارات وهمية فيها هي تقريباً صفر.

في ختام ردها على التسريبات، قالت الشركة البنمية أنه “من الثابت أنه العديد من البلدان (كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة) تملك قوانيناً ائتمانية تسمح لشخص أو مؤسسة بتمثيل طرف ثالث بالوكالة، وهو أمر قانوني 100% ويخدم أغراضاً عامة في التجارة العالمية”.

تصريح الشركة عن كونها لا تخالف القانون ليس عارياً من الصحة للأسف، فنشاطات الشركة في بلدها قانونية، وإن كانت تساعد الأشخاص الذين يستخدمون خدماتها على التهرب من الضرائب في دولهم أو مخالفة قوانينها، ولكنها تقريباً نظيفة قانونياً وغير قابلة للمحاكمة، كل ما في الأمر أنها أخفت أرصدة وتعاملات عملائها، الأمر الذي تسمح به الكثير من الدول، من بينها سويسرا مثلاً، وقد تقتصر عواقب التسريبات والتحقيقات اللاحقة على منع أو الحد من قانونية التعامل مع الشركة، الأمر الذي يمكن الالتفاف عليه بكل بساطة بإنشاء أو اللجوء إلى شركة أخرى فور انخفاض الاهتمام الإعلامي والشعبي بالقضية.

هشاشة القانون

أحد العمليات التي كشفتها هذه الوثائق تشمل عملية تهرب ضريبي في أوغندا، أنقذت شركة واحدة من دفع حوالي 400 مليون دولار من الضرائب، الأمر الذي يعتبر بشكل أو بآخر سرقة أموال شعب يعاني من معدلات فقر وجوع مرتفعة، وتدني كبير في مستوى الخدمات الطبية في هذا البلد، ورغم كمية التحقيقات التي فتحت للتيقن من صحة ادعاءات التسريبات المنشورة، ومطالبة عدة حكومات بنسخة من الوثائق لاستكمال التحقيقات، فإن رد فعل الكثير من الحكومات على هذه الوثائق لم يتجاوز تصريحاً إعلامياً، مبيناً مدى عجز البنى القانونية والمجتمعية في كثير من الدول عن محاسبة مسؤوليها ورجال أعمالها على الاحتيال على شعوب بأكملها.

أحد أبناء رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في هذه الوثائق، صرح بأن ما كشفته الوثائق عن حجم ممتلكات شركاته “لا يخالف القانون”، كما صرح ناطق باسم الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الذي وردت أسماء أبنائه في القضية بأن “هذه الممارسة غير مخالفة للقانون” وأنهم (أبناء علييف) “مواطنون أذربيجانيون بالغون”، وللأسف فإن هذه التصريحات صحيحة، كما أن الكثير من الحكومات والشخصيات العامة لم تتكلف حتى عناء الرد على هذه التسريبات، متجاهلة ضرورة شرح سبب امتلاك شخصيات حكومية أو أفراد من أسرتها لهذه الكميات الهائلة من الأموال، أو على الأقل سبب حرمان دولهم من ضرائبها أو وضعها تحت المجهر القضائي.

السياسة دائماً

التسريبات بدأت من صحيفة سودويتش تسايتونغ الألمانية، التي قامت بدورها بتقديم الوثائق لجمعية الصحفيين الاستقصائيين الدولية – التي سبق لها العمل على نشر تسريبات مماثلة – والتي قامت بدورها بتوزيعها على وسائل إعلام كبرى مثل بي بي سي والغارديان البريطانيتين، المثير للشكوك والتساؤلات هو هل سيتم كشف جميع الوثائق؟ أو هل هي بالفعل تقتصر على 11 مليون وثيقة؟ وما هي المعايير التي سيتم على أساسها معاملة زبائن هذه الشركة كزبائن عاديين لا يجب كشف حساباتهم؟

في صفحة “اللاعبين الكبار” على موقع الجمعية، والمخصصة للشخصيات الحكومية فقط، تشير رسالة في أسفل الصفحة – كما في معظم صفحات الملف – إلى أن “هناك استخدامات مشروعة للشركات والمؤسسات والائتمانات الخارجية، ولا نقصد أن نشير أو نلمح لكون أي من الشخصيات، الشركات أو الكيانات الأخرى المذكورة في صفحة الجمعية الدولية للصحفيين الاستقصائيين التفاعلية للاعبين الكبار قد خرقت القانون أو تصرفت بشكل غير مشروع”.

هذه الصفحة تتيح تصفح الوثائق مصنفة حسب الشخصيات/مجموعة الشخصيات، المصنفة بدورها وفقاً لكونها قائد دولة أو قائد سابق، أو من أقرباء أو حلفاء قادة الدول، أو سياسيين وشخصيات رسمية، أو أقرباء سياسيين وشخصيات رسمية، مجموع هذه الشخصيات/ مجموعات الشخصيات حتى الآن هو 73.

في الفئة الأولى (قادة دول وأقربائهم وحلفائهم) تذكر دولتان أوربيتان؛ والد رئيس الوزراء البريطاني إيان كاميرون، وأخت ملك إسبانيا السابق بيلار دو بوربون، في الفئة الثانية توجد 12 شخصية أوربية، تنتمي إلى كل من اليونان وفرنسا وآيسلندا ومالطا وهنغاريا وبولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، 6 منها لم تعد تشغل مناصباً رسمية، و6 منها ما زالت تشغلها، أحدها باميلا شاربلز صاحبة العضوية الدائمة في مجلس لوردات المملكة المتحدة، والوزير المالطي كونراد ميتزي. أي من أصل 73 شخصية حكومية أو مرتبطة بشخصية حكومية، تشكل نسبة الشخصيات الأوربية التي ما زالت تشغل مناصبها 7 فقط، (ألمانيا وليبيا ومصر وتركيا والولايات المتحدة خارج القائمة).

الوثائق المتعلقة بالشخصيات الحكومية، والمنشورة حتى الآن، على الأقل على المنصة سهلة المراقبة من قبل الصحفيين والعامة، انتقائية بشكل واضح، ومن الممكن القول أن الكشف عنها كان ممكناً سابقاً ببعض العلميات الاستخباراتية، ولكن ربما تم تسريبها من مصدر لم يكشف عنه حتى الآن لممارسة ضغط على حكومات معينة دون أخرى، بانتظار كشف المزيد من الوثائق على أمل أن يخطئ اعتقادي، ولكن اليوم، يمكن القول تقريباً، أن هذا الفساد لم يكن سيكشف لولا رغبة حكومات معينة بالضغط على حكومات أخرى، وليس حرصاً على أموال الشعوب التي سرق منها مبالغ أكبر من المذكورة بعشرات الأضعاف بالتأكيد، آخذين في عين الاعتبار أن معظم عواقب هذه الوثائق ستكون إعلامية وليس قانونية خصوصاً على الشركات ورجال الأعمال، الأمر الذي لا يقلل بالطبع من أهمية هذه الوثائق وضرورة تسليط المزيد من الضوء عليها، وممارسة المزيد من الضغط لمحاسبة المسؤولين ورجال الأعمال المفضوحين بموجب هذه الوثائق… حين يسمح القانون في شتى الدول بذلك، ولكن رغم أهمية هذه الوثائق، من الواضح أنها لا تكشف سوى اللاعبين الصغار الذي يتجهون نحو أسهل الحلول.

لمزيد من المعلومات والتفاصيل الخاصة بوثائق بنما، يمكنك تصفح الموقع الفرعي الذي أنشأته جمعية الصحفيين الاستقصائيين لهذه الغاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *