علقوا الأرصدة: مبادرة مدني

quants-illo_2622703b

أينما تتحرك في الدول العربية التي تشهد حروباً اليوم تطالعك صور الشهداء، آلاف الوجوه تحتل الجدران، رجال، نساء، أطفال، عسكريون، مدنيون. نظرة سريعة على الأسماء – العادية والحركية – تبلغك بطائفة الحي والطرف السياسي الذي يقف معه، كل حيّ، كل شارع، كل حاجز تفتيش وكل مقر يستقبلك بصور شهدائه، قبل عبارة “(مدينتنا) ترحب بكم” حتى.

أفهم تماماً مشاعر المقاتلين تجاه رفاق السلاح الذين فقدوهم في المعارك، ولكن ما لا أفهمه هي صور المدنيين، المحاولة الدائمة لإقحامنا في المعركة، لرمينا في أحضان طرفٍ دون آخر، ما لا أفهمه هو معاملة حيواتنا كرصيدٍ يضاف إلى عداد القتلى لدى كل طرفٍ. إن كان لا بد من تعليق الأرصدة على الجدران، إن كان لا بد من ضمّنا – حين نفارق الحياة – إلى أرصدتهم، فلماذا لا نطالب بعرض أرصدة من نوعٍ آخر؟

فلنبدأ مثلاً من أرصدة القتلى، ولكن من الأطراف الأخرى، في هذه الحرب التي تلتهم الأرواح بالعشرات – وأحياناً المئات – كل يوم، لماذا لا نعلق على جدراننا صور من قتلناهم؟ وتوخياً للتمييز بين من قتلوا بسلاح هذا الطرف ومن قتلوا بسلاح ذاك، نكتب تحت صورهم مثلاً  “إلى جهنم وبئس المصير”، وبإمكاننا أن نخفي عيونهم منعاً من تعاطف جمهور كل طرف مع قتلى الطرف الآخر، أو أن نسرد قائمة بالأفعال السيئة التي ارتكبوها تحت صورهم، “قناص” “تجنيد أطفال” “مرور من السوق الخاطئ” “حاول الوصول إلى منزله”.

وبعد أرصدة القتلى، ربما ننتقل إلى الأرصدة المصرفية، أعرف أن كثيرين منكم يعرفون الله ولا يؤمنون بالفائدة، ولكن بإمكاننا على الأقل أن نعلق شاشة ذات لونين، كتلك التي تعلو سوق دمشق للأوراق المالية، لن نورد أسماءكم، سنكتفي بأن نجمع أرصدة جميع من في الحي أو المدينة، ويتصاعد الرقم أو ينخفض – عند إعادة إكساء منازلكم أو الانتقال إلى منازل أكبر ربما – يومياً، أو شهرياً، حسب تصاعد المعارك، وإن شئتم، أن تجمعوا عدة أحياءٍ أو مدن في شاشة واحدة، كتعبير عن الوحدة في وجه الأعداء، أو استجابة لمظاهرات “الفصائل” التي تصرخ “اللي ما بيتوحد… يطلع لبرا” ، لكم ذلك، ولكن علينا عندها أن نستخدم شاشة أكبر، أو أن نعرض الأرقام بعملة أجنبية تخفيضاً لعدد الخانات.

أما نحن، سنكتفي برصيدٍ صغير، نرصد فيه عدد المرات التي نجونا فيها من الموت، من التشرد، من الفقر، من الموت جوعاً. وحين تنتهي الحرب، سنعلق صورنا جميعاً على كل الجدران، وسنكتب
“الناجون من هذا الحي… سيد الأرصدة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *