الزغاريد التي تشغل مخيلتي

أشياء لا أفهمها تنمو داخلي، أجساد البشرية جمعاء تعرش على كتفي، وتنهدات الجنس منذ بدء الخليقة تتتالى جميعاً في أذنيَّ. أشياء لا أفهمها تنمو بداخلي، فجاءة الغصن بزهره الأول، فجاءة السماء بالشروق الأول، وكأن يداً أخرى تنمو لي، وكأن عيناً ترى الألوان دون أشكالها تزهر على جبيني. أراقبني، وأراقب من يراقبني، أتبعني، أتابعني، أستمع إلى أحاديثي، أسجل مكالماتي وأراجعها، أدون الحكايا التي تشغل تفكيري في ساعات الوحدة، أدونها، لا أريد أن أنساها، ذاكرتي في هذه الأيام الخالية هي صمتي، هي الزغاريد التي تشغل مخيلتي بعيداً عن الشوارع المزدحمة ولكن الصامتة تماماً.

أسير حاملاً عالمي أعلى رأسي، أسير به، أجوب به الشوارع الواسعة المطلية بعناية، والأزقة الضيقة العارية، يتأقلم مع المكان سريعاً، يأخذ شكله، يتحجم ليجد متسعاً، أو يدغدغ الجدران حتى تنطرح قليلاً إلى الوراء. لستُ وحدي من يحمل عالمه فوق رأسه، الجميع يفعل، تتقاطع مشاهد الأحداث بين عوالمنا، يمر مدفعٌ يطلق قذيفة بالقرب من سرير ملوث بجنس الليلة الماضية، يعبق برائحة التعرق والبارود والقهوة الباردة. الكثير من الأسرة، الجميع ينشر في عالمه الأسرة، في كل مكان، أسرة كبيرة مريحة تملأ الشوارع والحقول الذهبية، تملأ سلالم الأبنية والساحات المكتظة بالبشر والسيارات، أرجوك سيدي، أيمكنك أن ترفع أسرتك قليلاً؟ كدتُ أصدم رأسي بأحدها!

أنا أحمل، كما يفعل كثيرون، توابيت فوق رأسي، الموت لم يطل برأسه القبيح كثيراً في حياتي حتى الآن، ومعظم من أهتم لكونهم أحياء ما زالوا على قيد الحياة، وهذه التوابيت، التي أحملها كحقيبة أينما أذهب، لا تحوي أمواتاً، بل نساءً… أو، لأكون أكثر دقة واحتكاراً لنساء بلادنا الحبيبة، تحوي أناي في كل مرة أسعدتُ سيدة محترمة، كل مرة قبلتُ امرأة واستجابت شفاهها، كل مرة نظرتُ عميقاً في عينين جميلتين وابتسمتا، كل مرة أجمد أناي في تلك اللحظة بالذات، أرمي بها في أحد التوابيت الفارغة المكومة خلفي، أعطيها رقماً، وأعود إلى السيدة لأخبرها كم كان الأمر معها مشرفاً، وكم دفعني للتفكير بأشياء عميقة.

يرجى من التابوت 3 مغادرة الموقع ومن التابوت 9 تولي زمام الأمور.

يرجى من التابوت 9 مغادرة الموقع ومن التابوت 4 أو 11 اتخاذ القرار بتولي أحدهما زمام الأمور.

تقاطع خطر، فليغادر الجميع مواقعهم والتزام توابيتهم لحين اكتمال العبور من المكان.

تنظر إلي حجارة المكان، تنظر إلي أطياف المكان العالقة فيه إلى الأبد. ولا كلمة واحدة؟ ولا ذكرى واحدة حتى؟ ما الذي يخيفك إلى هذا الحد؟ يرتجف سكان التوابيت دفعة واحدة، وأنا… أنا متروكٌ بلا رقم، بلا وجه، بلا ذكريات، أحرك جسدي كمن يدفع شاحنة إلى الأمام، أكبت بكل ما أوتيت من جَلَدٍ التعرف إلى أي من الكلمات التي أسمع أو نظرات الحجارة الحانقة. أكبت توق العشرات داخلي، منهِكٌ إسكات التوابيت، ينمّي أشياء لا أفهمها داخلي.

1 تعليقات على “الزغاريد التي تشغل مخيلتي

  1. غير معروف

    متل ما قلت تشغل مخيلتك انت بس مع ذلك ما غلط الخيال متل الحلم اشياء قديمة بتتجسد او انت بتجسدا بس بالخير بتضل خيال متل اي خيال برافقك بس بالنهاية ليس حقيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *