مركز العزلة: هذا ليس مقالاً

The Murderess - Edvard Munch - 1906

The Murderess – Edvard Munch – 1906

كل الأسرار تكشف بالكتابة. تناول قلماً، وتعال أهمس لكَ دفعة واحد بجميع الأسرار المقدّسة، اِجلس هنا، في مركز العزلة، حين كان مستحيلاً أن ترى وتعرف كل شيء، فالطريقة المثلى لسماع الأسرار ألا ترى وألا تعرف أي شيءٍ، أغمض عينيكَ، اِهدم كلّ ما تعرفه، الكل الآن ورقة بيضاء، اِبدأ من الصفر الذي تراه مناسباً.

لا ترسم عينيها على الورق، بل دعهما تمرّان إبراً في الحنجرة، ثم ابصق أثر الدم في عينيها على الورق. لا تجعل شعرها طويلاً، الانزلاق عليه بهذا الطول سيستغرق آلاف السطور، اِشرح لنفسكَ، سراب المكان، وعدد الجدران والمخلوقات الميكروبية التي استمعت معك إلى أنينها يرتجف على حواف أذنيك. أخبرها، أن رقصات الدفء بين الأجساد وتناقل الارتعاش ككوب ماءٍ، أشياء لا يفهمها الورق، ناولها ورقة وقلماً، واحكي لها أن كل الأسرار تكشف بالكتابة.

لا تخف حين تصف جسداً سواك، لا تقلق إن رأيتَها مفتوحة على الأمنيات كبوابة قلعة مسالمة لا تحميها سوى الرهبة. تلمس أثر ضرباتك في ختام حروفها، تنشَّق عن أطراف أصابعها آخر أنفاس الشهوة المطعونة بقلم. تأمل مجدداً كل السطور، هنا لا صوتَ لكَ يقاطعها، ستتابع مزاحها الثقيل حتى النهاية، ستكتب أنها تحبُّ لقاءك أيام حيضها، وأنتَ ستغضب، حائراً أين ينفثُ حبره هذا القلم.

اِجلس هنا… في مركز العزلة.

إنكَ تفكر بكتابكَ اكثر من اهتمامكِ بشبقها يتندى على آثار حلّتها، إنك تعبر بأصابعكَ على فقراتها المطوية وتتمنى لو كان بين ساقيها حبر أو فحم رطب، فتقحم إصبعك وتتابع من حيث توقفت. لا تكترث، الكلمات كالنساء، تفقد بأخطاءٍ صغيرة، ولا حل سوى القبول ببعض الخسائر. بإمكانكَ أن تكون سخياً بالحب أو الكلمات، هذا وتلك وجهان لدرهم واحد.

لا تنحنِ لتراقب الكائنات الهزيلة، أعطها أجنحة، لتطير وترتفع إلى مستوى بصيرتك، ولا ضير إن لاحقتكَ طول النهار فراشاتٌ مرقطة وأزواجٍ من إناث الجراد. كله حسن، بصيرتك ليست سوى ضباب يحجب عنكَ الحقيقة، ولكنه ضبابٌ لطيف، يغطي وجوه الموتى المذعورة بندفٍ من الغيوم. وليسَ ذلك خداعاً كما تعلم، فكل الأسرار تُكشَف ببعض الكتابة. إذن، اختصر صراعك وصراع من سبقوك مع زلاقة أفخاذ الحقيقة، لاحقها كدجاجة تندبُ بيوضها وتتلوى شوقاً.

ضع قطعة نقدية في علبة المكواة، وبعد عشر ثوانٍ ستنطلق أغنية إيطالية حزينة، تراقص على أنغامها البنت الكبرى للجدار، وترشف خلف عنقها من كأس النبيذ الوردي الذي يحمل يدك، أو اتكئ على ظهرها لتكتب ملحمة عن السناجب التائهة، كل الأماكن – عدا القبور – مناسبة للكتابة، حيث توجد الأسرار الحصينة، تطل الكتابة برأسها وشعرها المشعث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *