عنوان مسالم هو الارتقاء – هنري ميلر

من رواية (كابوس مكيَّف الهواء) لِـ هنري ميلر (1891 – 1980) – ترجمة: أسامة منزلجي، دار المدى 2012


لكي نجري تجربة إنسانية عظمى يجب أن يكون لدينا أولاً رجال. وخلف مفهوم “الرجل” يجب أن تكمن العظمة. لا يوجد حزب سياسي قادر على جلب مملكة الإنسان. يمكن لعمال العالم أن يُنظموا ذات يوم، إذا كفوا عن الإصغاء إلى قادتهم المتعصبين، أخوية الإنسان. ولكن لا يمكن للرجال أن يكونوا أخوة ما لم يصبحوا أولاً أنداداً، أي، متساويين بالمعنى الفخم للكلمة. وما يمنع الرجال من الاتحاد كأخوة هو انعدام كفاءتهم الأساسية. العبيد لا يستطيعون الاتحاد، والجماهير الغفيرة لا تستطيع الاتحاد، والجهلة لا يستطيعون الاتحاد. إننا نعجز عن الاتحاد إلا بإطاعة أرقى دوافعنا. على حافز التفوق على الذات أن يكون غريزياً، وليس فقط نظرياً أو قابلاً للتصديق. وإذا لم نبذل مجهوداً لإدراك الحقائق التي في داخلنا سوف نفشل مراراً وتكراراً. وكالديمقراطيين، والجمهوريين، والفاشستيين، والشيوعيين، نحن جميعاً نقف على أرضية واحدة. وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا نخوض الحرب بطريقة جميلة جداً. إننا ندافع بحياتنا عن المبادئ التافهة التي تفرقنا. والمبدأ العام، الذي هو تأسيس إمبراطورية الإنسان على الأرض، لا نرفع إصبعاً لندافع عنه. نحن خائفون من أي حافز يرفعنا من القذارة. إننا نحارب فقط من أجل الوضع الراهن؛ وضعنا الراهن. نحارب ورؤوسنا منكسة وعيوننا مغمضة. في الحقيقة لا يوجد أبداً وضع راهن، اللهم إلا في أذهان الحمقى السياسيين، كل شيءٍ جارٍ، وأولئك الذين على جانب المدافع يحاربون الأشباح.
ما هي الخيانة الأعظم؟ إنها الشك في ما يحارب المرء من أجله. هنا يسير الجنون والخيانة يداً بيد. إن الحرب هي شكل من أشكال الجنون – سواء أكان من أنبلها أم أحطها، حسب زاوبة نظرك. ذلك أن الجنون الجماعي هو الذي يعجز الحكماء عن القضاء عليه. والفوضى هي السبب الأول الذي يمكن أن يورد كتفسير للحرب. عندما تفشل الأسلحة الأخرى كلها يلجأ المرء إلى القوة. ولكن قد لا يكون هناك بأس في الأسلحة التي تنبذها بسهولة ويسر. لعلها في حاجة إلى شحذ، أو لعلنا نحن في حاجة إلى تحسين مهاراتنا، أو كلاهما. أن تقاتل يعني أن تعترف بأنك مشوش؛ إنه تصرف يدل على اليأس، وليس على القوة. يمكن لجرذ أن يقاتل بشكل رائع عندما يتورط، فهل يجب أن نحاكي الجرذ؟
لكي يعرف الإنسان السلام يجب أن يجرب الصراع. عليه أن يمر بالمرحلة البطولية قبل أن يتمكن من التصرف كحكيم. يجب أن يصبح ضحية انفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها. ولكي تستنهض طبيعة الإنسان الانفعالية، لتسلمه إلى الشيطان وتخضعه للاختبار الأسمى، يجب أن يجري صراع يتضمن شيئاً أكثر من الوطن، والمبادئ، السياسية والأيديولوجيات، ألخ. إن الحرب الحقيقية هي ثورة الإنسان ضد طبيعته المغالية. وهذه حرب تستمر إلى الأبد دون إراقة دماء، تحت عنوان مسالم هو الارتقاء. في هذه الحرب يصنف الإنسان نفسه إلى الأبد في صفوف الملائكة. وعلى الرغم من أنه ربما، كفردٍ، يهزم، إلا أنه يمكن أن يتأكد من النتيجة – لأن الكون كله معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *