أم يبدأ كل شيء من جديد؟

 

“إن البلية لا تخرج من التراب والشقاوة لا تنبت من الأرض، ولكن الإنسان مولود للمشقة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح”*

ليس عليكَ أن تفعل شيئاً، أصلاً – وأنتَ تعرف ذلك حق المعرفة – ليس هناك ما لم تجرب القيام به، كل هذا الجمود الذي أصاب كل شيء فجأة، لن يغير من حقيقة أن حياتك ليست ساكنة، وإنما تنحدر نحو الأسفل بهدوء، تقترب أكثر فأكثر نحو الهاوية، ولكن بهدوء، بحيث لا تلاحظ إلا حين يختلف المشهد، حين تتعرف على كل شيءٍ من حولك، ولكنك تراه للمرة الأولى من هذه الزاوية المنخفضة، ربما أنت تتحرك بهذا الاتجاه دائماً، ولكنك عديم المقاومة التي تخفي الفرق.

لا تنتظر الكهرباء، ولا تنتظر الإنترنت، لا تنتظر الباص أو الهدف التالي لفريقك المفضل أو حتى اتصالاً منها، أي من هذا لن يأتي، الحقيقة الوحيدة التي تحكم تفاصيل ساعاتك هي تلك الجلسات الطويلة المملة أمام حاسوبكَ مرتفع الحرارة، لتحصل على ثمن زجاجة التكيلا المقبلة، أو لتقوم بتمويل أمسية صيفية أخرى، الحر لا يتسبب لأحدٍ بالمرض، من الممكن احتماله، فقط البرد يفعل ذلك، زيارات اليوم أكثر من تلك التي كانت تندر في الشتاء، آخر ما يمكنك القيام به هو أن تنتظر الكهرباء، أو أن تفكر أثناء انتظارك لها بأي مخلوقات متطلبة أصبحنا، مخلوقات تعجز عن الرقص من دون شيءٍ شديد التعقيد كالكهرباء.

بعض الأمور بدأت تصبح اعتيادية، تجهم الركاب في الباص صباحاً، نجاتك من نقطة تفتيش لتصفيرك أغنية الجندي المفضلة، أسمعك تغير الصافرة، وأحياناً تستبدلها بطوقٍ أو خاتم أو رقصة سريعة تقاطع نبل نهارك، من الأمور الاعتيادية أيضاً انتظارك تحت الشمس لمغامرتك الأخيرة، الوداع دون مغامرة أخيرة مجرد مجاملة طقسية، إن لم تأتِ المغامرة الأخيرة على الوداع أن ينتظر.

“في النهار يصدمون ظلاماً ويتلمسون في الظهيرة كما في الليل، المنجي البائس من السيف من فمهم ومن يد القوي، فيكون للذليل رجاء وتسد الخطية فاها”**

بعض الأمور تصبح عشوائية حد الجنون، المكان يتغير بشكل أسرع من استيعابه، نرمي بأنفسنا كما لو كنا طيراً يرتمي إلى عمق المحيط، لا فكرة لديه عما ينتظره، تنتهي محاولاتنا البائسة للاعتياد على أي شيء، ونتابع جنوننا معتادين على التغيرات القاسية التي تجري على قدمٍ وساق في هوامش إدراكنا، اِرفع راسكَ وانظر حولك، ألا تدرك أي عالمٍ تعيش فيه الآن؟ أتدرك أن اللحظة التي دخلتَ عندها في غيبوبتك لن تستمر إلى الأبد؟ اِرفع رأسك وأعد ترتيب أفكارك، أنتَ لست وحيداً، ومنذ بدأت الحرب في جنوب مشيئتك لا يبدو أنهم سيتركونك وشأنك، أنتَ الآن رقم من إحدى عشرة خانة وحقيبة تفتيش وسطرٌ في جدول طويل يقول أن لديكَ إذناً مؤقتاً بالحياة.

كل ذلك حصل حقاً، كف عن انتظار اللحظة التي تتغير فيها نسبة الحقيقة من كل شيء، الرصاصة التي استقرت على جدار كاد يحجبه رأسك، نافذة غرفتك التي تبصق الزجاج نحوكَ، الدم المتحجر حول علامات الأصفاد على معصميكَ، وعجزك عن اعتبار أياً من ذلك تجربة موت، كل ذلك حصل حقاً، ومن مات لن يعود، سواءً ذلك الذي انفجرت بكاءً لأجله، وذلك الذي لم تلحظ غيابه عن العالم إلا بعد مرور ستة أشهرٍ كاملة، كل ذلك حصل حقاً، والآن لم تعد تملك سوى العالم الساكن الرؤوف الذي يقتات ذاكرتكَ بعجل.

* أيوب 5: 6-7

**أيوب 5: 14-16

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *