مادلين

مارس عادتك السرية، أو شاهد فيلماً جيداً، الكثير من الأمور موجودة لتفعلها كي تشتت انتباهك عن هذا الموضوع بالذات، مذ رأيتها وأنتَ عاجزٌ عن التفكير بغيرها، غياب سنين لم يكن كافياً، جف نبعٌ وعاد نهراً يجرف كل ما حولك، فقط حين تتمنى الخراب لعالمك تسعدك الكوارث، فقط حين تشعر بالملل من كل هذا الهدوء من حولك، تتمنى أن يحصل أي شيءٍ جديد، لا! انتظر! هذه الفكرة مسروقة من كتابٍ آخر، من كتاب دون “آخر”، هذا ليس كتاباً، ومعظم كلماتك ليست حقيقية.

ماذا لو كان بإمكانك أن تقول ما تشاء؟ ماذا لو أقسمت الأسلحة في كل شبرٍ من العالم ألا تُوجَه إليك؟ ماذا لو أقسم كل من حولك أنهم لن يحكموا عليكَ مهما فعلت؟ ماذا لو كنتَ قادراً بالفعل على قول كل ما تشاء؟ فكر قليلاً… لا شيء؟ حسناً، لقد بدأنا.

أرسم وجهكِ في مخيلتي كل يوم، أستمع لصوتك كي يعينني على استنفار فراشات الذاكرة التي تعود رغماً عني إلى شرانقها، أبدأ ذكرياتي معكِ كل يومٍ من جديد، ماذا لو كان بإمكاني أن أقول كل شي؟ سأخبركِ أن هناك انحناءً في أنفكِ لا أحبه، وعيونك الخضراء – معظم الوقت – تشعرني بالضعف، أنا كاتبٌ الآن، وبين يديّ جيل كامل قد يتغير واحدٌ بالألف من حياته بسبب كلماتي، أنا كاتبٌ الآن، والكاتب لا يجوز أن يكون ضعيفاً أمام عينين سخيفتين، خصوصاً خضراوتين.

ماذا لو كان بإمكاني أن أقول لكِ كل شيء؟ ماذا لو كنتُ أملك حرية الصراخ؟ الكثير من الأشياء، الكثير من الكلمات أبتلعها كل يوم، لا وقت يكفي، المكالمة قد تنتهي في أي وقتٍ، وعلي أن أقول الأمور المهمة، وتلك الأمور المهمة هي الأقل أهمية، ولكن لا بد من قولها، لا بد من تكرار اعترافي الهزيل بحبكِ بعد كل “أعاود الاتصال بكَ”، لن تعاودي الاتصال، وسيكون علي انتظار نوبة العشق التالية، ماذا لو كان بإمكاني أن أقول كل شيء؟ كنتُ قلتُ لكِ أن غيرة بيتكِ تأكلني، كنتُ صرختُ باسمكِ في شارعٍ من تلك الشوارع التي تمضغ بقايا ذاتي كل صباح.

أعيد ترتيب كلماتكِ مغمضاً عينيَ، فقدتُ النسخة الأصلية من كل ما قلتِ، وكل شيءٍ صار أكثر اختلافاً، كل شيءٍ – على ما أعتقد – بات أجمل، لمَ أغير أي شيءٍ إن لم يكن سيصبح أجمل؟ أعيد ترتيب جملكِ، أحاول التخفيف من ركاكة لغتكِ، أجعلك تقتبسين نصف كاتبي الروايات والقصائد في غزلكِ، أجَمِّل كل كلمةٍ، لا لشيءٍ سوى لاستحالة تكرار الزمن، السعادة التي لا تتكرر تصبح ذكرى، وأنا في مكانٍ من فوضى الذكريات والأحلام والواقع الهش لا يسمح لي بالتخلي عن سعادةٍ وإضافة ذكرى جديدة، لقد انتظرتُ طويلاً، وسأغير كل شيءٍ الآن ليصبح أجمل، عدا وجهكِ، عجز إلهكِ عن فعل ذلك، ما بالك عبده الذي يكفر به كل مرة تنهين اتصالاً معه؟

لو كان بإمكاني قول كل شيءٍ لقلتُ لكِ أنني لا شيء أمام شوقي لكِ، أشتاقكِ كبحرٍ وحيدٍ بلا أسماك، أشتاقكِ كطير أخير قبل الانقراض، أشتاقكِ ككون ساكن، أشتاقكِ كحاضر فقد ماضيه، أشتاق لماضٍ كنتِ فيه جسداً شغل حيزاً من الهواء حولي، كل شيءٍ يتكاتف ليسترجع الماضي، حتى الماء عاد للانقطاع عن منزلنا.

أصنع من بقايا خط يدكِ على دفتري الصغير لغة جديدة، أصنع من غيرتكِ بنياناً جديداً لعواطفي، وأخلع منه بقايا غيابك، أكرر في سري – وأثناء استحمامي أحياناً – كلمات أغنية قديمة؛ أغلب الظن أن الكلمات ليست صحيحة ككل أغنية أكررها، أتصل بكِ، أغمض عينيَ، أسمعها، أمارس الجنس في مخيلتي مع حروف كلماتكِ، فأفهمها.

سأمارس عادتي السرية، أو أشاهد فيلماً جيداً، الكثير من الأمور موجودة لأفعلها كي أشتت انتباهي عن موضوعك بالذات، منذ رأيتكِ وأنا عاجزٌ عن التفكير بغيركِ، غياب سنين لم يكن كافياً، جف نبعٌ وعاد نهراً يجرف كل ما حولي، أكره العالم من حولي فيسعدني الخراب وأتمنى المزيد من الكوارث، أشعر بالملل من كل هذا الهراء من حولي، أتمنى أن يحصل شيءٌ جديد – أي شيء – لأقتل كل هذا الصمت، أن أدعوكِ باسمكِ بدلاً من مناداتكِ بجبنٍ وسرية طفولية… مادلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *